الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠١ - الفضل بن يحيى يهب له ضعف ما وهبه إياه جعفر
طلب منه جعفر وصف مكانه شعرا فقال و أجاد
فقال له جعفر: صف موضعنا هذا، فقال:
قصور الصالحيّة كالعذارى
لبسن ثيابهنّ ليوم عرس
مطلّات على بطن كسته
أيادي الماء وشيا نسج غرس
إذا ما الطّلّ أثّر في ثراء
تنفّس نوره من غير نفس
فتغبقه السّماء بصبغ ورس
و تصبحه بأكؤس عين شمس [١]
/ فقال جعفر للأعرابي: كيف ترى صاحبنا يا هلاليّ؟ فقال: أرى خاطره طوع لسانه، و بيان الناس تحت بيانه، و قد جعلت له ما تصلني به، قال: بل نقرّك [٢] يا أعرابيّ و نرضيه، و أمر للأعرابيّ بمائة دينار و لأشجع بمائتين.
أنس بن أبي شيخ يعجب بشعره و يقدمه إلى جعفر بن يحيى
أخبرني عمّي قال؛ حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو عامة، قال: حدّثني أشجع السّلميّ، قال:
كنت ذات يوم في مجلس بعض إخواني أتحدّث و أنشد، إذ دخل عليهم أنس بن أبي شيخ النّصريّ صاحب جعفر بن يحيى، فقام له جميع القوم غيري، و لم أعرفه فأقوم له، فنظر إليّ و قال: من هذا الرّجل؟ قالوا: أشجع السّلميّ الشّاعر، قال: أنشدني بعض قولك، فأنشدته. فقال: إنّك لشاعر، فما يمنعك من جعفر بن يحيى؟ فقلت:
و من لي بجعفر بن يحيى؟ فقال: أنا، فقل أبياتا و لا تطل فإنه يملّ الإطالة، فقلت: لست بصاحب إطالة، فقلت أبياتا على نحو ما رسم لي، و صرت إلى أنس فقال: تقدّمني إلى الباب، فتقدّمت، فلم يلبث أن جاء فدخل، و خرج أبو رمح الهمذانيّ حاجب [٣] جعفر بن يحيى، فقال أشجع: فقمت، فقال: ادخل، فدخلت، فاستنشدني فأنشدته أقول:
و ترى الملوك إذا رأيتهم
كلّ بعيد الصّوت و الجرس
فإذا بدا لهم ابن يحيى جعفر
رجعوا الكلام بمنطق همس
ذهبت مكارم جعفر و فعاله
في النّاس مثل مذاهب الشّمس
/ قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، قال: و كان أشجع يحبّ الثّياب، و كان يكتري الخلعة كل يوم بدرهمين، فيلبسها أياما، ثم يكتري غيرها، فيفعل بها مثل ذلك،/ قال: فابتعت أثوابا كثيرة بباب الكرخ، فكسوت عيالي و عيال إخوتي حتى أنفقتها.
الفضل بن يحيى يهب له ضعف ما وهبه إياه جعفر
ثم لقيت المبارك مؤدّب الفضل بن يحيى بعد أيام، فقال لي: أنشدني ما قلته في جعفر، فأنشدته، فقال:
[١] في ما:
«فتغبقه بصبغ لون ورس»
. و في ف، بيروت «و تصبحه بكأس عين شمس». و في «اللسان» غبقه يغبقه غبقا: سقاء غبوقا؛ و هو الشرب بالعشي. و صبحه يصبحه: سقاه صبوحا. و الصبوح: ما أصبح عندهم من شرابهم.
[٢] في مد، ما: نصلك. و في «المختار» نبرك. و في ب: نقدك.
[٣] في ب، س: أبو زنج الهمذاني صاحب جعفر.