الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٤ - الرشيد يستعيده صوتا من صنعته ثلاث مرات
١٩- أخبار الزبير بن دحمان
قدم على الرشيد من الحجاز و المغنون حزبان
قد مضت أخبار أبيه، و نسبه و ولاؤه في متقدّم الكتاب، و كان الزّبير أحد المحسنين المتقنين الرّواة الضّرّاب، المتقدّمين في الصّنعة، و قدم على الرشيد من الحجاز، و كان المغنون في أيّامه حزبين: أحدهما في حزب إبراهيم الموصليّ و ابنه إسحاق، و الآخر في حزب ابن جامع و ابن المهديّ، و كان إبراهيم بن المهديّ أوكد أسباب هذا التّحزّب و التّعصّب لما كان بينه و بين إسحاق [١] و كان الزبير بن دحمان في حزب إسحاق، و أخوه عبيد اللّه في حزب إبراهيم بن المهديّ [١].
يغني الرشيد من غناء المتقدمين فيفضل أخاه
فأخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:
لما قدم الزّبير بن دحمان على الرّشيد من الحجاز، قدم رجل ما شئت من رجل؛ عقلا و نبلا و دينا و أدبا و سكونا و وقارا، و كان أبوه قبله كذلك، و قدم معه أخوه عبيد اللّه [٢]، فما وصلا إلى الرشيد، و جلسا معنا، تخيّلت في الزّبير الفضل فقلت لأبي: يا أبت، أخلق بالزّبير أن يكون أفضل من أخيه، فقال: هذا لا يجيء بالظّنّ و التّخيّل [٣]، و الجواد إنّما يمتحن في الميدان، فقلت له: فالجواد عينه فراره [٤]، فضحك، و قال: ننظر في فراستك، فلما غنّيا بان فضل الزّبير و تقدّمه، فاصطفاه أبي و اصطفيته لأنفسنا، و قرّظناه [٥] و وصفناه، و صار في حيّزنا.
الرشيد يستعيده صوتا من صنعته ثلاث مرات
و غنّى الرّشيد غناء/ كثيرا من غناء المتقدّمين فأجاد و أحسن، و سأله الرّشيد أن يغنّيه شيئا من صنعته، فالتوى بعض الالتواء و قال: قد سمع أمير المؤمنين غناء الحذّاق من المتقدمين و غناء من بحضرته من خدمه، و من وفد عليه من الحجازيّين، و ما عسى أن يأتي من صنعتي؟ فأقسم عليه أن يغنّيه شيئا من صنعته، و جدّ به في ذلك، فكان أول صوت غنّاه منها:
(١- ١) التكملة من ف.
[٢] ب «عبد اللّه».
[٣] «المختار»: «و التخمين».
[٤] المثل «إن الجواد عينه فراره» في «مجمع الأمثال بترتيب الكرماني»- ٣٧ ط. طهران، و جاء فيه: الفرار- بالكسر- النظر إلى أسنان الدابة ليعرف قدر سنه، و هو مصدر، و منه قول الحجاج: فررت عن ذكاء، و يروى فراره- بالضم- و هو اسم منه؛ يضرب لمن يدل ظاهره على باطنه فيغني عن الاختبار حتى لقد يقال: إن الخبيث عينه فراره.
[٥] ف «و قرّبناه».