الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٤ - اعتذر إلى هبة المغنية فوثبت إليه و قبلت رأسه
/
و لكلّ نائبة ألمّت مدّة
و لكلّ حال أقبلت تحويل
و المنتمون إلى الإخاء جماعة
إن حصّلوا أفناهم التّحصيل
و لعلّ أحداث الليالي و الرّدى [١]
يوما ستصدع بيننا و تحول
فلئن سبقت لتبكينّ بحسرة
و ليكثرنّ عليّ منك عويل
و لتفجعنّ بمخلص لك وامق
حبل الوفاء بحبله موصول
[٢] و ليذهبنّ جمال كلّ مروءة
و ليعفونّ فناؤها المأهول
و لئن سبقت، و لا سبقت، ليمضين
من لا يشاكله لديّ عديل
و أراك تكلف بالعتاب و ودّنا
باق عليه من الوفاء دليل
ودّ بدا لذوي الإخاء جميله
و بدت عليه بهجة و قبول
و لعلّ أيام الحياة قصيرة
فعلام يكثر عتبنا و يطول
مظلومة جارية الدقيقي تعاتبه على هجرانه فيرد عليها
أخبرني الطّلحيّ قال: حدثني أبو عليّ بن أبي الرعد: أن سعيد بن حميد كان يهوى مظلومة جارية الدقيقيّ، فبلغه أنها تواصل بعض أعدائه، فهجرها مدة، فكتبت إليه تعاتبه و تتشوقه، فكتب إليها:
أمري و أمرك شيء غير متّفق
و الهجر أفضل من وصل على ملق
لا أكذب اللّه، ما نفسي بسالية
و لا خليقة أهل الغدر من خلقي
فإن وثقت بودّ كنت أبذله
فعاودي سوء ظن بي و لا تثقي [٢]
اعتذر إلى هبة المغنية فوثبت إليه و قبّلت رأسه
و ذكر اليوسفيّ الكاتب أنه حضر سعيدا في منزل بعض إخوانه و عندهم هبة [٣] المغنّية، و كان سعيد يتعشّقها و يهيم بها، فغضبت عليه يوما لبعض الكلام على النبيذ،/ و دخلت بعد ذلك و هو في القوم، فسلّمت عليهم سواه، فقالوا لها: أ تهجرين أبا عثمان؟ فقالت: أحبّ أن تسألوه ألّا يكلّمني، فقال سعيد:
اليوم أيقنت أنّ الهجر متلفة
و أنّ صاحبه منه على خطر
كيف [٤] الحياة لمن أمسى على شرف
من المنيّة بين الخوف و الحذر
يلوم عينيه أحيانا بذنبهما [٥]
و يحمل الذنب أحيانا على القدر
تنأون عنه و ينأى قلبه معكم
فقلبه أبدا منه على سفر
فوثبت إليه و قبّلت رأسه، و قالت: لا أهجرك و اللّه أبدا ما حييت.
[١] في «المختار» و النوى.
(٢- ٢) الأبيات و الخبر من نسخة ف، و هما ساقطان من نسخة ب، ش و الأبيات في «المختار».
[٣] في ب، س «هذه المغنية».
[٤] في ب، س: كرب الحياة.
[٥] ف، بيروت: لذرفها.