الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨٣ - سأل أبا العتاهية عن شعره في تبخيل الناس
فنظر إليهم و اجتماعهم و ازدحامهم [١]، فقال لأصحابه الذين خرجوا معه: قد جاء في الخبر أنّ ابن سريج كان يتغنّى في أيّام الحجّ، و النّاس بمنى فيستوقفهم بغنائه، و سأستوقف لكم هؤلاء الناس و أستلهيهم جميعا، لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته، ثم اندفع يؤذّن، فاستوقف أولئك الخلق و استلهاهم، حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضا، و هو كالأعمى عنها لما خامر قلبه من الطّرب لحسن ما يسمع.
أبو العتاهية يعجب بغنائه إعجابا شديدا
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدثني ابن أخت الحاركيّ و أبو سعيد/ الرّامهرمزيّ، و أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد الأزديّ [٢]، عن أحمد بن عيسى الجلوديّ عن محمد بن سعيد التّرمذيّ- و كان إسحاق إذا ذكر محمدا وصفه بحسن الصّوت، ثم قال: قد أفلتنا منه، فلو كان يغنّي لتقدّمنا جميعا بصوته- قالوا:
جاء أبو العتاهية إلى باب مخارق فطرقه و استفتح [٣]، فإذا مخارق قد خرج إليه، فقال له أبو العتاهية:
يا حسّان [٤] هذا الإقليم، يا حكيم أرض بابل، اصبب في أذني شيئا يفرح به قلبي، و تنعم به نفسي، فقال: انزلوا، فنزلنا، فغنّانا، قال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهي طربا. قال: و جعل أبو العتاهية يبكي، ثم قال له:
يا دواء المجانين لقد رقّقت حتّى كدت أحسوك، فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما، و لو كان شرابا لكان ماء الحياة.
أبو العتاهية يشتهي سماعه حين حضرته الوفاة
نسخت من كتاب ابن أبي الدّنيا، حدّثني بعض خدم السّلطان، قال:
قال رجل لأبي العتاهية و قد حضرته الوفاة: هل في نفسك شيء تشتهيه؟ قال: أن يحضر مخارق الساعة فيغنّيني:
سيعرض عن ذكري و تنسى مودّتي [٥]
و يحدث بعدي للخليل خليل
إذا ما انقضت عنّي من الدهر مدّتي
فإن غناء الباكيات قليل
سأل أبا العتاهية عن شعره في تبخيل الناس
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة العلويّ، قال: حدّثنا علي بن الحسين بن الأعرابيّ، قال:
لقي مخارق أبا العتاهية، فقال له: يا أبا إسحاق، أ أنت القائل:
/
اصرف بطرفك حيث شئ
ت فلن ترى إلّا بخيلا
قال له: نعم. قال: بخّلت الناس جميعا، قال: فاصرف بطرفك يا أبا المهنّأ فانظر فإنّك لن ترى إلّا بخيلا،
[١] س «فنظر إلى كثرتهم و اجتماعهم و ازدحامهم».
[٢] س «محمد بن يزيد المبرد الأزدي».
[٣] ف «إلى باب مخارق و استفتح».
[٤] حسن الشيء: جمل، فهو حاسن و حسن و حسين و حسّان.
[٥] ف، «المختار»: «ستعرض عن ذكري و تنسى مودتي» بالبناء للفاعل.