الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٦ - شاعر من أهل جدة يعلم الرشيد بغدر نقفور
الملوك، و وضعت نفسها موضع السّوقة، و إني واضعك بغير ذلك الموضع، و عامل على تطرّق [١] بلادك و الهجوم على أمصارك، أو تؤدّي إليّ ما كانت المرأة تؤدّي إليك، و السّلام».
رد الرشيد عليه
فلمّا ورد كتابه على الرّشيد كتب إليه:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم- من عبد اللّه هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الرّوم،/ أما بعد، فقد فهمت كتابك، و جوابك عندي ما تراه عيانا لا ما تسمعه». ثم شخص من شهره ذلك يؤمّ بلاد الرّوم في جمع لم يسمع بمثله، و قوّاد لا يجارون نجدة و رأيا، فلما بلغ ذلك نقفور ضاقت عليه الأرض بما رحبت، و شاور في أمره.
أبو العتاهية يذكر هزيمة نقفور و يمدح الرشيد
و جدّ الرّشيد يتوغّل في بلاد الروم فيقتل و يغنم و يسبي، و يخرّب الحصون و يعفّي الآثار حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينيّة، فلما بلغها وجدها و قد أمر نقفور بالشّجر فقطع و رمي به في تلك الطّرق، و ألقيت فيه النّار، فكان أوّل من لبس ثياب النفّاطين محمد بن يزيد بن مزيد، فخاضها، ثم اتّبعه الناس، فبعث إليه نقفور بالهدايا و خضع له أشدّ الخضوع، و أدّى إليه الجزية عن رأسه فضلا عن أصحابه فقال في ذلك أبو العتاهية:
إمام الهدى أصبحت بالدّين معنيّا
و أصبحت تسقي كلّ مستمطر ريّا
لك اسمان شقّا من رشاد و من هدى
فأنت الذي تدعى رشيدا و مهديّا
إذا ما سخطت الشيء كان مسخطا
و إن ترض شيئا كان في النّاس مرضيّا
بسطت لنا شرقا و غربا يد العلا
فأوسعت شرقيّا و أوسعت غربيّا
و وشّيت وجه الأرض بالجود و النّدى
فأصبح وجه الأرض بالجود موشيّا
و أنت- أمير المؤمنين- فتى التقى
نشرت من الإ «حسان ما كان مطويّا
قضى اللّه أن يبقى لهارون ملكه
و كان قضاء اللّه في الخلق مقضيّا
تجلّلت الدّنيا لهارون ذي الرّضا [٢]
و أصبح نقفور لهارون ذمّيّا
شاعر من أهل جدّة يعلم الرشيد بغدر نقفور
فرجع الرشيد- لمّا أعطاه نقفور ما أعطاه- إلى الرّقّة، فلما سقط الثّلج و أمن نقفور أن يغزى اغترّ بالمهلة، و نقض ما بينه و بين الرشيد، و رجع إلى حالته الأولى، فلم يجتزئ يحيى بن خالد- فضلا عن غيره- على إخبار الرّشيد بغدر نقفور، فبذل هو و بنوه الأموال للشّعراء على أن يقولوا أشعارا في إعلام الرّشيد بذلك، فكلّهم كعّ [٣] و أشفق إلا شاعرا من أهل جدّة كان يكنى أبا محمد،/ و كان مجيدا قويّ النّفس قويّ الشّعر، و كان ذو اليمينين اختصّه في أيّام المأمون و رفع قدره جدّا، فإنّه أخذ من يحيى و بنيه مائة ألف درهم، و دخل على الرّشيد فأنشده:
[١] و عامل على تطرق بلادك، أي على السير إليها.
[٢] في «التجريد»:
«تحليت للدنيا و للدين بالرضا»
. [٣] كع: جبن.