الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٧ - دريد بن الصمة يعاهدهما على الكف عن الحرب و تهادي الشعر من غير شتم
لا ينكلون إذا لقوا أعداءهم
إنّ الحمام هو الطريق المهيع [١]
و كان خفاف قد كفّ عن العبّاس، حتى أتاه غلام من قومه، فقال: أبى العباس إلا جرأة عليك و عيبا لك، فغضب خفاف ثم قال: ما يدعوه إلى ذلك؟ فو اللّه إن أباه لرابط السهم، و إن أمّه لخفيّة الشخص، و لئن طلب مسعاي ليعلمنّ أنه قصير الخطوة أجذم الكف، و ما ذنبنا إليه إلا أنّا استنقذنا أباه من عصيّ بني حزام، و كافحنا دونه يوم بني فراس، و نصرنا أباه على حرب بن أميّة. و قال خفاف في ذلك:
لن يترك الدهر عبّاس تقحّمه
حتى يذوق وبال البغي عبّاس
أمسكت عن رميه حولا و مقتله
باد لتعذرني في حربه الناس
عمدا أجرّ له ثوبي لأخدعه
عن رأيه و رجائي عنده ياس
فالآن إذا صرّحت منه حقيقته
ظلما فليس بشتمي شاتمي باس
أجدّ يوما بقولي كلّ مبتدئ
كما يجدّ بكفّ الجازر الفاس
تأبى سليم إذا عدّت مساعيها
أن يحرز السّبق عبّاس و مرداس
أودى أبو عامر عبّاس معترفا
أنّا إذا ما سليم حصّلت راس
فبلغ العباس أمر خفاف، فأتاه، فالتقيا عند أسماء بن عروة بن الصّلت بن حزام بن عبد اللّه بن حازم بن الصلت، و كان مأمونا في بني سليم، فقال العباس: قد بلغني قولك يا خفاف، و لعمري لا أشتم أباك و لا أمّك، و لكنّي رام سوادك بما فيك./ و اللّه ما كنت إلى ذمّك بالهيمان و لا إلى لحمك بالقرم، و إن سليما لتعلم أني أبحت حمى بني زبيد، و أطفأت جمرة خثعم، و كسرت قرني [٢] بني الحارث بن كعب، و قلّدت بني كنانة قلائد العار، و إني يا خفاف لأخفّ منك [٣] على بني سليم مئونة، و أثقل منك على عدوّهم وطأة، و قال مجيبا له:
إني رأيت خفافا ليس يهنئه
شيء سوى شتم عبّاس بن مرداس
مهلا خفاف فإن الحق معضبة [٤]
و الحمق ليس له في الناس من آسي
سائل سليما إذا ما غارة لحقت
منها فوارس حشد غير أنكاس
من خثعم و زبيد أو بني قطن
أو رهط فروة دهرا أو شحا الناس [٥]
ينبوا من الفارس الحامي حقيقته
إذا أتوك بحام غير عبّاس
لا يحسب النّاس قول الحق معترفا
فانظر خفاف فما في الحق من باس
من زار خيل بني سعد مسوّمة
يهدي لأولها لأي بن شمّاس
يوم اعترضت أبا بدر بجائفة
تعوي بعرق من الأحشاء قلّاس [٦]
أدعى الرئيس إذا ما حربكم كشفت
عن ساقها لكم و الأمر للرّاس
[١] الطريق المهيع: الواسع البين.
[٢] في هب «و كسرت قرني في بني الحارث».
[٣] ف «عنك».
[٤] معضبة: مقطعة.
[٥] الشحا: الواسع، و المراد جميع الناس.
[٦] الطعنة الجائفة: التي تصل إلى الجوف. و عرق قلاس: يزخر بالدم.