الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٦ - دريد بن الصمة يعاهدهما على الكف عن الحرب و تهادي الشعر من غير شتم
و إنّ رهط خفاف لاموه و قالوا: اكفف عن الرجل. فقال: كيف أكفّ عن رجل يريد أن يترنا أمرنا بغير فضل.
و قال رهط العباس له: أيها الرجل، اكفف، فقال قولا جميلا، و قال العبّاس عند ذلك:
هل تعرف الطّلل القديم كأنّه
وشم بأسفل ذي الخيام مرجّع
بقيت معارفه على مرّ الصّبا
بعد الجميع كأنه قد يمرع
دار التي صادت فؤادك بعد ما
شمل المفارق منك شيب أروع
و زعمت أنّك لا تراح إلى الصّبا
و علتك منه شبيبة لا ترجع
/ يا أيها المرء السفيه أ لا ترى
أني أضرّ إذا هويت و أنفع
و أعيش ما قدر الإله على القلى
و أعفّ نفسي عن مطامع تطمع
كرما على الخطر اليسير و لا ترى
نفسي إلى الأمر الدنيّ تطلّع
و أردّ ذا الضّغن اللئيم برأيه
حتى يموت و ليس فينا مطمع
للّه درّك لا تمنّ مماتنا
فالموت ويحك قصرنا و المرجع
لو كان يهلك من تمنّى موته
حلّت عليك دهية لا ترقع
و مكثت في دار الهوان موطّأ
بالذّلّ ليس لداركم من يمنع
فقال خفاف مجيبا له:
عجبت أمامة إذ رأتني شاحبا
خلق القميص و أنّ رأسي أصلع
و تنفست صعدا فقلت لها: اقصري
إني امرؤ فيما أضرّ و أنفع
مهلا أبا أنس فإني للّذي
خلّى عليك دهيّة لا ترفع
و ضربت أمّ شئون رأسك ضربة
فاستكّ منها في اللّقاء المسمع
نعليّ حذو نعالها و لربّما
أحذو العدا و لكلّ عاد مصرع
لا تفخرنّ فإنّ عودي نبعة
أعيت أبا كرب و عودك خروع [١]
و لقد أقود إلى العدوّ مقلّصا
سلس القياد له تليل أتلع [٢]
نهد المراكل و الدّسيع يزينه
شنج النّسا و أباجل لا تقطع [٣]
/ و عليّ سابغة كأنّ قتيرها
حدق الجنادب ليس فيها مطمع [٤]
زغف مضاعفة تخيّر سردها
ذو فائش و بنو المرار و تبّع [٥]
في فتية بيض الوجوه كأنهم
أسد على لحم ببيشة طلّع
[١] عودي نبعة: صلب شديد. و عودك خروع: ليّن متثن.
[٢] تليل أتلع: عنق طويل.
[٣] نهد المراكل: واسع الجوف. و الدسيع: مغرز العنق في الكاهل. و فرس شنج النسا: صفة محمودة، لأنه إذا تشنج نساه لم تسترخ رجلاه. و الأباجل: جمع أبجل، و هو عرق في الفرس و البعير.
[٤] درع سابغة: تامة طويلة. و القتير: رءوس المسامير في الدرع. و الحدق جمع حدقة؛ و هي سواد العين الأعظم، و الجنادب جمع جندب، و هو الصغير من الجراد.
[٥] الزغف جمع زغفة؛ و هي الدرع الواسعة. و سردها: نسجها. و فائش: واد كان يحميه ذو فائش سلامة بن يزيد اليحصبي.