نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٩٦
المعدوم شيء و أن الحال ثابت ساء سمعا و ساء إجابة و لو لا إني التزمت على نفسي في هذا الكتاب أن أبين مصادر المذاهب و مواردها و اشتراك منتهى أقدام العقول في مسائل الأصول و إلا لما أهمني كشف الأسرار و هتك الأستار.
و أما أصحاب الهيولى فافترقت فيها على طريقين فرقتان أحدهما إثبات هيولى للعالم مجردة عن الصور و عدوها عن المبادئ الأول و هي ثالثها أو رابعها فقالوا المبادئ هي العقل و النفس و الهيولى و قالوا المبادئ هو الباري سبحانه و العقل و النفس و الهيولى و هي كانت مجردة عن الصور كلها فحدثت الصورة الأولى و هي الأبعاد الثلاثة فصارت جسما مركبا ذا طول و عرض و عمق و لم يكن لها قبل الصورة إلا استعداد لمجرد القبول فإذا حدثت الصورة صارت بالفعل موجودة و هي الهيولى الثانية ثم إذا لحقها الكيفيات الأربعة التي هي الحرارة و البرودة الفاعلتان و الرطوبة و اليبوسة المنفعلتان صارت الأركان التي هي النار و الماء و الهواء و الأرض و هي الهيولى الثالثة ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها الأعراض و هي الكون و الفساد و يكون بعضها هيولى بعض.
الطريق الثاني: هو أنهم أثبتوا الهيولى غير مجردة عن الصورة قالوا هذا الترتيب الذي ذكرناه مقدر في العقل و الوهم خاصة دون الوجود و ليس في الوجود جوهر مطلق قابل للأبعاد ثم يلحقه الأبعاد و لا جسم عار عن الكيفيات ثم عرضت له الكيفيات و إنما هو عند ما نظرنا في ما هو أقدم بالطبع و أبسط في الوهم و العقل.
قال أصحاب الهيولى المجردة: أما إثبات الهيولى لكل جسم فأمر معقول محقق بالبرهان و ذلك أن كل جسم قابل للاتصال و الانفصال و التصور و التشكل بالصورة و الأشكال و معلوم أن قابل الاتصال و الانفصال أمر وراء الاتصال و الانفصال فإن القابل يبقى بطريان أحدهما و الاتصال لا يبقى بعد طريان الانفصال و بالعكس فظاهر أن هاهنا جوهر غير الصورة الجسمية يعرض له الاتصال و الانفصال معا ثم قالوا ما من انفصال و اتصال معين إلا و يمكن زواله و ما من شكل و صورة و حيز و جهة إلا و هو عارض لذلك الجوهر فيمكن أن يتعرى عن جميع الصور كما أمكن أن يتعرى عن كل صورة بل يجب أن يكون مبدأ الأجسام المركبة جوهر غير مركب فإن كل مركب لو كان عن مركب لتسلسل إلى غير النهاية فتركب القميص من الغزل و الغزل من القطن و القطن من الأركان و الأركان من العناصر و هي الهيولى القابلة للصور و الكيفيات فإذا انحلت التركيبات فهي البسائط و إذا انحلت البسائط فهي الهيولى المجردة عن كل صوره القابلة لكل صورة.
قال أصحاب الهيولى مع الصورة أما إثبات الهيولى جوهرا معقولا فمسلم للعقل