نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٢
صورة المحسوس فيها كذلك إذا ارتفعت المادة يتبين الشيء المعقول في الذهن و العقل و إذا تبين المعقول ارتفعت الحجب كلها و كلا الوجهين صحيح إما أن يكون أحدهما عين الثاني حتى يكون إطلاقا بالترادف و ذلك خطأ ظاهر و ما ذكرتموه من تفريع مذهبكم على هذه القاعدة نتكلم عليها بعد هذه المسألة إن شاء اللّه تعالى و نقول إذا كان الوجود من حيث هو وجود يعم الواجب و الممكن فالذات القائم بالنفس من حيث إنه ذات قائم بالنفس يعم الواجب و الممكن فما الذي يخص الواجب من أمر وراء ذاته حتى يتميز عن سائر الذوات فإن لم يكن له ما يخصه فليس له ما يعمه و إن كان التخصيص وقع بالذات فهلا قلتم وقع التخصيص بالوجود دون الوجوب و إن وقع التخصيص بأمر دون أمر فذلك الأمر الذي خصص و عين هو الصفة عندنا إلا أنا بحكم الشرع أطلقنا اسم العلم و القدرة و الإرادة على ذلك و أنتم ما خالفتمونا في العلم و القدرة بل قلتم هو تعالى عالم لذاته و ذاته علم و إن كان الذات من حيث هو ذات شاملا شمول الوجود و التخصيص إنما يقع بأمر و صفة و بالجملة كل أمر عام وجودي إذا تخصص فإنما يتخصص بأمر خاص وجودي فيلزم هناك اثنينية من المعنى عام و خاص و سواء كان العام جنسا و الخاص فصلا و سواء لم يكن الأمر كذلك.
فإن قيل: قد يتخصص الشيء بالفصول السلبية و السلب لا يوجب الاثنينية.
قيل هذا خطأ وقع للمنطقيين منكم حيث ظنوا أن السلب يجوز أن يكون فصلا ذاتيا.
و البرهان على استحالة ذلك أن الفصل لا يتحقق ما لم يتحقق في المفصول اشتراك ما في أعم وصف فيكون الفصل أعني ما به تميز عن غيره من المشتركات أخص وصف الشيء و الشيء إنما يتميز عن غيره بأخص وصفه و سلب صفة و شيء آخر عنه و بما يطلقه على أخص وصفه لا أن يكون نفسه أخص وصفه.
فلما ضاق على بعض الفلاسفة التعبير عن الفصول الذاتية بعبارات ناصة عليها أوردوا فصولا سلبية على أن تطلع الطالب على نفس المطلوب ظن بعضهم أن السلوب تصلح أن تكون فصولا ذاتية و ذلك خطأ بيّن ثم ارتكبوا على مقتضى ذلك أن جعلوا وجوب الوجود أمرا سلبيا و فصلوا به ذات واجب الوجود عن سائر الذوات و لم يفطنوا لإمكان الوجود الذي في مقابلة وجوب الوجود أنه يلزم أن يكون فصلا إيجابيا و يا ليت شعري كيف يتأكد الوجوب بالسلب و كيف يضعف الوجود بالإيجاب و كيف يكون سلب الغير تأكيدا لذات الوجود الواجب و إيجاب الذات لا يكون تأكيدا و بالجملة كلما يتميز عن غيره فإنما يتميز بأخص وصفه و أخص وصف