نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٤٦
للمريد لا يكون مرادا له فما كان من جهة العبد من الذي سميناه كسبا، و وقع على وفق العلم و الأمر كان مرادا و مرضيا أعني مرادا بالتجدد و التخصيص مرضيا بالثناء و الثواب و الجزاء و ما وقع على وفق العلم و خلاف الأمر كان مرادا غير مرضي أعني مرادا بالتجدد غير مرضي بالذم و العقاب و هذا هو سر هذه المسألة و من اطلع عليها استهان بتهويلات القدرية و تمويهات الجبرية فعلى هذا لم يكن الباري تعالى مريدا للشرور و المعاصي و القبائح من حيث إنها شرور و معاصي و قبائح و لا هو مريد للخيرات و الطاعات و المحاسن من حيث إنها كذلك بل هو مريد لكل ما تجدد و حدث في العالم من حيث إنها متخصصة بالوجود دون العدم و متقدرة بأقدار دون أقدار و متأقتة بأوقات دون أوقات ثم ذلك الموجود قد يقع منتسبا إلى استطاعة العبد كسبا على وفق الأمر فسمي طاعة مرضية أي مقبولة بالثناء ناجزا و الثواب أجلا و قد يقع على خلاف الأمر فيسمي معصية غير مرضية أي مردود بالذم ناجزا و بالعقاب أجلا و لو لا قدرة العبد في الشيء لكان الفعل فعلا متجددا مختصا بما خصصته الإرادة من غير أن يقال هو خير أو شر إيمان أو كفر فالأفعال كلها من حيث تجددها و اختصاصها مرادة للباري تعالى و هي متوجهة إلى نظام في الوجود و صلاح العالم و ذلك هو الخير المحض و كانت وجوهها إلى الخير و ظهورها من الخير و كان بيده الخير، و كل ما ورد في القرآن من إرادة الخير المخصوص بأفعال العباد مثل قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، و لكن يريد ليظهركم إلى غير ذلك فهو محمول على أحد معنيين إما ثناء و مدح في الحال، و إما على ثواب و نعمة في المال، و إلا فالإرادة الأزلية لا تتعلق إلا بما هو متجدد من حيث أنه متجدد فلا متجدد إلا و هو فعل للباري تعالى من حيث أنه متجدد و ذلك لا ينسب إلى العبد كما بينا في خلق الأعمال، فاختصت الإرادة بأفعال اللّه سبحانه على الحقيقة دون الوجوه التي تنسب إلى العبد و اختص الأمر بأفعال العباد حقيقة دون الوجوه التي تنسب إلى الحق تعالى فلم يجب تلازم الأمر و الإرادة، و قد يرد الأمر بمعنى الإرادة و الإرادة بمعنى الأمر فيكون الإطلاق باشتراك في اللفظ فكأن المشركين تمسكوا بهذا اللفظ حيث أخبر التنزيل عنهم سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨]، أرادوا بذلك المشيئة بمعنى الأمر، و عن هذا طالبهم بإخراج العلم بذلك و إظهار الحجة عليهم من كتبهم، و قال: