نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦١
بوجود العقل التام و العقل إنما يدرك إذا وجد دليل الصدق فكما لا يتراخى الوجوب عن وقت التكليف لا يتراخى أيضا دليل الصدق عن نفس الدعوى فليبحث هاهنا كل البحث أن الدليل المقرون بالخبر و الدعوى ما ذا بحيث لا يلزم إفحام و لا ينفع إحجام و أما سائر الأخبار السمعية فإذا ثبت صدق النبي وجب الإيمان بذلك و السمع و الطاعة له فإن عرفنا له وجها بالدليل العقلي فبصيرة و خيرة و إن لم نعرف له وجها فتسليم و تصديق و ما يستحيل في العقل و كان بين الاستحالة يعرف وجه استحالته و نعلم أن الصادق الأمين لا يقرر المستحيل فيطلب لكلامه محملا صحيحا فإذا وجدناه فخيرة و إلا آمنا و صدقنا بالظاهر و وكلنا علم الباطن إلى اللّه تعالى و رسوله.
فمن ذلك حشر الأجسام و بعث من في القبور من الأشخاص فاعلم أنه لم يرد في شريعة ما من الدلائل أكثر مما ورد في شرعنا من حشر الأجسام و كأن الزمان لما كان مقرونا بالقيامة كانت الآية أصرح بها و البينات أدل عليها و مفارقة الأرواح للأجساد و بقاء الأرواح قد اعترف به الحكماء الإلهيون و حشر الأجساد لما كان ممكنا في ذاته و قد ورد به الصادق وجب التصديق بذلك من غير أن يبحث عن كيفية ذلك إذ الرب تعالى قادر على الإعادة و قدرته على الإنشاء و الابتداء فيحيي العظام و هي رميم كما أنشأها أول مرة و كما يحيي الأرض بعد موتها كل ربيع كذلك يحيي الموتى و دليل من رام إثباته على طريق الحكمة هو أن النفوس الجزئية إذا فارقت الأبدان و لم تستقر في تصوراتها عن آلات جسمانية احتاجت إلى الأبدان ضرورة و إلا كانت معذبة فإن سعادتها في تصوراتها إنما تكون بآلاتها و الآلات إنما تتحقق إذا عادت بسعيها كما كانت فمن قال بحشر الأجسام و فى بقضية الحكمة إذ وفر على كل نفس حظها من كمالها اللائق بها و إعطائها جزاءها على مقدار سعيها و من نفى ذلك قضى بالحشر على نفس أو نفسين في كل عصر قد تجردت عن المواد الجسمانية و قضى بالتعذيب على كل نفس في العالم و ذلك يناقض الحكمة و أيضا فإن الترتيب بين كل نفس و نفس حاصل في الدنيا و إذا فارقت النفس البدن فإما أن يزول الترتيب حتى يستوي الحال بين من حصل لنفسه علوما كثيرة و بين من اشتمل على جهالات كثيرة و إما أن يثبت الترتيب و ليس في ذلك العالم جنة و لا نار عندهم فيحصل لهم بذلك لذة أو ألم إذ لا نعمة ثم معدة لأهل السعادة و لا عذاب مدخر لأهل الشقاوة و إنما اللذة و الألم و النعمة و العذاب تنشأ من كل نفس أو لازم كل نفس بحسب ما استعدت له من العلم و الجهل إلى تناقضات كثيرة أوردنا لذكرها رسالة في المعاد.
و أما سؤال القبر و عذابه فقد ورد بهما الخبر الصحيح في كم موضع حتى بلغ