نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٤٤
و شهوة و إنما يتعلق به من حيث هو متجدد متخصص بالوجود دون العدم متقدر بقدر دون قدر و هو من هذا الوجه غير موصوف بالخير و الشر، و إن أطلق لفظ الخير على الوجود من حيث هو وجود فذلك إطلاق بمعنى يخالف ما تنازعنا فيه فالباري تعالى مريد الوجود من حيث هو وجود و الوجود من حيث هو وجود خير فهو مريد الخير و بيده الخير، و أما الوجه الذي ينسب إلى العبد هو صفة لفعله بالنسبة إلى قدرته و استطاعته و زمانه و مكانه و تكليفه و هو من هذا الوجه غير مراد للباري تعالى و غير مقدور له و لما تقرر عندنا بالبراهين السابقة أنه تعالى خالق أعمال العباد كما هو خالق الكون كله و إنما هو خالق بالاختيار و الإرادة لا بالطبع و الذات فكان مريدا مختارا لتجدد الوجود و حدوث الموجود ثم الوجود خير كله من حيث هو وجود فكان مريد الخير و أما الشر فمن حيث هو موجود فقد شارك الخير فهو من ذلك الوجه خير و مراد و على هذا لا يتحقق في الوجود شر محض فهو تعالى مريد الوجود و مريد الخير و العبد يريد الخير و الشر و عن هذا قال الحكماء: الشر داخل في القضاء و الإرادة بالعرض لا بالذات و بالقصد الثاني لا بالقصد الأول فإن الشر عندهم إما عدم وجود أو عدم كمال الوجود و إنما الداخل في القضاء و الإرادة بالقصد الأول هو الوجود و كمال الوجود ثم قد يكون الوجود على كمال أول و متوجه إلى كمال ثان و قد يكون على كمال مطلق كالعقول المفارقة التي هي تامة كاملة بأعيانها في الخير المحض الذي لا شر فيه و ما هو على كمال أول أي هو بالقوة على كمال إلى أن يصير الفعل على كمال ثان فيقع من مصادمات أحوال السلوك من المبدأ إلى الكمال أحوال هي شرور و مضار كما تقع أحوال هي سرور و منافع، و الإرادة الأزلية و العناية الربانية تتعلق بالأمرين و القسمين جميعا و لكن أحد المتعلقين على سبيل التضمن و الاستتباع و العرضية و يسمى ذلك مرادا و مقصودا بالقصد الثاني و المتعلق الثاني على سبيل الوضع و الأصالة و الذاتية فيسمى ذلك مرادا و مقصودا بالقصد الأول هذا كما يعلم أن المقصود الكلي من إنزال المطر من السماء نظام العالم و انتظام الوجود و ذلك هو الخير مطلقا ثم إن خرب بذلك بيت عجوز قد أشرف على الانهدام أو ماتت العجوز و قد بلغت إلى شرف الموت كان ذلك شرا بالإضافة لا بالأصالة و بالقصد الثاني لا بالقصد الأول و وجود خير كلي مع شر جزئي أقرب إلى الحكمة من لا وجود له لا يقع الشر الجزئي فإن عدمه مما يورث الفساد في نظام كل الموجودات فهو أكثر شرا و أشد ضرا.
قالت المعتزلة: كل آمر بالشيء فهو مريد له و الرب تعالى آمر عباده بالطاعة فهو مريد لها إذ من المستحيل أن يأمر عبده بالطاعة ثم لا يريدها و الجمع بين اقتضاء