نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣
فإنا نقول: إنما لم يكن صانعا لم يزل لأن الصنع فيما لم يزل مستحيل الوجود و إذا استحال وجود الشيء في نفسه و لذاته لم يكن مقدورا فلا يكون مصنوعا قط، و إذا استحال وجود الشيء لمعنى آخر كان جائزا في ذاته فإذا زال ذلك المعنى تحقق الجواز فصار مقدورا فيكون مصنوعا و الصنع لم يزل إنما استحال لنفي أولية الأزل و إثبات أولية الصنع فكان الجمع بينهما محالا فإذا نفيت الأزلية تعينت الأولية فتحقق الجواز فصح المقدور فوجد المصنوع.
و كذلك الجواب عن الشبهة الثالثة أنه علة لذاته فإن معنى كونه علة أي مبدئ لوجود شيء و إنما الممتنع وجود المعلول مع العلة معية بالذات فإن ذلك يرفع العلية و المعلولية و كذلك نقول: يستحيل وجود المعلول مع العلية معية بالزمان فإن ذلك يوجب كون العلة زمانية قابلة للتغير و ذلك محال أيضا فيجب أن يتقدم في الوجود لأن وجود الباري سبحانه وجود لذاته غير مستفاد من غيره، و وجود العالم مستفاد منه و المفيد أبدا يتقدم في الوجود.
أما الوجه الثاني في حل الشبهة: أن نطالبهم أولا فنقول: بما عرفتم أنه سبحانه يجب أن يكون جوادا لذاته قالوا: لأن موجودا ما يفعل أكمل من موجود لا يفعل و إن تصدر عنه موجودات أشرف من أن لا تصدر.
قيل له: لو عكس الأمر عليكم أن الموجود الذي لا يفعل أكمل فما جوابكم عنه إذ ليس هذا من القضايا الضرورية خصوصا في موجود يكون كماله بذاته و لا بغيره و إنما يصدر عنه فعل لو صدر لا لغرض و لا ليكتسب به حمدا و لا أمرا ما يتعلق بالتناقل، لعمري لو كان موجودان أحدهما كماله بذاته و الآخر كماله من غيره شهد العقل بالضرورة أن الذي كماله بالذات أشرف من الذي كماله لغيره و الموجود الذي لو لم يفعل فعلا كان ناقصا فليس بكامل الذات بل هو ناقص مستكمل من غيره فلم يصح أن يكون واجب الوجود لذاته.
و أما حل الشبهة الثانية نقول ما المعنىّ بقولكم إذا لم يكن صانعا فصار صانعا فقد تجدد أمر.
فنقول تجدد في ذات الصانع أمر أم تجدد أمر في غير ذاته و الأول غير مسلم و الثاني مسلم و هو محل النزاع.
و قولهم: كان صانعا بالقوة أيضا مشترك فإن القوة يراد بها الاستعداد المجرد و يراد بها القدرة و الأول غير مسلم و الثاني مسلم و هو محل النزاع و لا يحتاج إلى مخرج إلى الفعل.