نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٢
في القدم و الحدوث تمايزا في الوجود فإن الوجود العام الذي شمل الموجودات حتى يصح أن يكون مصححا و حتى يصح الجمع بين الشاهد و الغائب بذلك الجامع.
و اعتراض ثالث قد أجملتم القول إجمالا في أن الرؤية تعلقت بالجوهر و العرض أما الجوهر المجرد و الجسم المجرد فغير مسلم تعلق الرؤية به إذ قد استحال تجرده عن اللون فلم تتعلق الرؤية به مجردا و أما العرض فليس كل عرض قد تعلقت الرؤية به و إنما يستقيم دليلكم هذا إن لو تعلقت الرؤية بالجوهر و العرض على الإطلاق و التعميم حتى يصح منكم ربط الحكم بجامع بينهما و إذا تعلقت ببعض الأعراض دون البعض فلم يكن الحكم معلقا بالعرض من حيث أنه عرض و لا بالجوهر من حيث أنه جوهر و لا يكون معلقا بما يجمع بينهما و هو الوجود أو الحدوث فلا بد إذا من إثبات التعلق و حصره في شيء دون شيء أو تعميمه بكل شيء و ذلك نفس المتنازع فيه.
و اعتراض رابع: لم قلتم إن الحدوث لا يكون مصححا و قد عرفتم أن من الأحكام العقلية ما يتعلق بالحدوث دون الوجود و ليس لقائل أن يقول إن كونه مسبوقا بعدم ليس بمؤثر فإن معناه أنه وجود على صفة و اعتبار و كما أن المرئي أخص من المعلوم و الرؤية تتعلق بالمعلوم على صفة الوجود كذلك نقول تتعلق بالوجود على صفة الحدوث و بالحادث على صفة المقابلة أو التكون أو غير ذلك من الصفات و الاعتبارات و هذا السر هو أن المنقسم ربما يورد أقساما و ينفي بعض الأقسام مفردا و ربما يكون الحكم معلقا بمركب من القسمين لا بمفرد منهما فكما يجب نفي الأفراد من حيث هي أفراد فكذلك يجب نفي المركب من حيث هو مركب و هذا مما أغفله المتكلم كثيرا في مجاري تقسيماته و هو واجب الرعاية جدا.
و اعتراض خامس قد تحقق أن الرؤية من جملة الحواس الخمس أ فتقولون إنها كلها تتعلق بالوجود و المصحح لها الوجود أم الرؤية خاصة تتعلق بكل موجود فإن عممتم الحكم فقد افتتحتم أمرا و هو التزام كونه تعالى مسموعا مشموعا مطعوما ملموسا و ذلك شرك عظيم و إن خصصتم الحكم بالرؤية وجب عليكم إظهار دليل التخصيص فإن قلتم الدليل أنه لا يؤثر في المرئي و لا يتأثر منه فقيل هو نفس المتنازع فيه و إن قلتم هو علم أو في حكم العلم إلا أنه يقتضي تعيين المدرك فيقال لكم التعيين قد يكون تعيين العقل و لا شك أن الحس لا يستدعي ذلك التعيين فإن تعيين العقل كتخصيص العام و تفصيل المجمل و تقييد المطلق و تحديد الشيء و لا تختص أمثال هذه التعيينات بالرؤية و الحس و إن قلتم التعيين تعيين الحس فهو يستدعي قبول الإشارة إليه و ذلك يقتضي حيزا و مكانا و جهة و مقابلة و هو محال.