نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٩
الحادثة و يلزمه حكم و شرط.
أما الحكم: فإن يتغير المكتسب بالكسب فيكسبه صفة و يكتسب عنه صفة.
و أما الشرط فأن يكون عالما ببعض وجوه الفعل أو نقول يلزمه التغيير و لا يشترط العلم به من كل وجه.
و هذا تحقيق ما قاله الأستاذان كل فعل وقع على التعاون كان كسبا للمستعين و حقيقة الكسب من المكتسب هو وقوع الفعل بقدرته مع تعذر انفراده به و حقيقة الخلق هو وقوع الفعل بقدرته مع صحة انفراده به و هذا أيضا شرح لما قاله الأستاذ أبو بكر إن الكسب هو أن تتعلق القدرة به على وجه ما و إن لم تتعلق به من جميع الوجوه و الخلق هو إنشاء العين و إيجاد من العدم فلا فرق بين قوليهما و قول القاضي إلا أن ما سمياه وجها و اعتبارا سماه القاضي صفة و حالا [١].
و نجا أبو الحسن رحمه اللّه [٢] حيث لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا أصلا غير اعتقاد العبد بتيسير الفعل عند سلامة الآلات و حدوث الاستطاعة و القدرة و الكل من اللّه تعالى.
و غلا إمام الحرمين حيث أثبت للقدرة الحادثة أثرا هو الوجود غير أنه لم يثبت للعبد استقلالا بالوجود ما لم يستند إلى سبب آخر ثم تتسلسل الأسباب في سلسلة الترقي إلى الباري سبحانه و هو الخالق المبدع المستقل بإبداعه من غير احتياج إلى سبب و إنما سلك في مسلك الفلاسفة حيث قالوا بتسلسل الأسباب و تأثير الوسائط الأعلى في القوابل الأدنى و إنما حمله على تقرير ذلك الاحتراز عن ركاكة الجبر و الجبر على تسلسل الأسباب ألزم إذ كل مادة تستعد لصورة خاصة و الصور كلها فائضة على المواد من واهب الصور جبرا حتى الاختيار على المختارين جبر و القدرة على القادرين جبر و حصول الأفعال من العباد عند النظر إلى الأسباب جبر و ترتيب الجزاء على الأفعال جبر و هو كالمرض يحصل عند سوء المزاج و كالسلامة تحصل عند اعتدال المزاج و كالعلم يحصل عند تجريد العقل عن الغفلة و كالصورة تحصل في المرآة عند التصقيل فالوسائط معدات لا موجودات و ما له طبيعة الإمكان في ذاته استحال أن يكون موجدا على حقيقة كما بينا.
و أما شبهة المعتزلة: فتنحصر في مسلكين أحدهما مدارك العقل و الثاني
[١] انظر: غاية المرام للآمدي (ص ٢١٤)، و التبصير في الدين للأسفراييني (ص ١٠٨)، و شفاء العليل لابن قيم (ص ١٣٠)، و مرهم العلل المضلة لليافعي (ص ١٧١).
[٢] يعني الإمام الأشعري.