نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣٥
فما ذا دليلكم على وقوع ذلك ثم بم تنكرون على من يرد الخوارق إلى خواص الأشياء، فإنا نجد حصول أمثال ذلك من الجمادات على يد من لا دين له كالأمطار التي تحصل من اصطكاك الأحجار و الرياح التي تهب من تحريك ما مخصوص، ثم التعزيم و التنجيم و التبخير و علم الطلسمات و استسخار الروحانيات و استخدام الكواكب العلوية علوم معروفة و العمل بها من العجائب المعجزة و الغرائب المفحمة، فما أنكرتم إن ما أتى به هذا المدعي من جنس ذلك، ثم الواجب عليكم أن تثبتوا وجه دلالة المعجزة على الصدق فإنه من حيث هو فعل دل على قدرة الفاعل فقط من هذا الوجه لم يدل على صدق قول المدعي من حيث اقترانه بدعواه لم يدل أيضا لأن اقترانه بدعواه كاقترانه بحدوث حادث آخر من قول أو عمل، ثم لم يدل نفس الاقتران على حق أو باطل فكيف دل هاهنا، و أيضا فإن عندكم يجوز خرق العادات على يدي مدعي الإلهية، و لم يدل ذلك على صدق دعواه فكيف يدل على صدق دعوى النبوة.
قال أهل الحق: قام الدليل على أن الرب تعالى خالق الخلق و مالكهم، و من له الأمر و الخلق و الملك له أن يتصرف في عباده بالأمر و النهي، و له أن يختار منهم واحدا لتعريف أمره و نهيه، فيبلغ عنه إليهم فإن من له الخلق و الإبداع له الاختيار و الاصطفاء وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ [القصص: ٦٨]، فلا استحالة في هذه المراتب و لا استحالة في نفس الدعوى و لا يضاهي استحالته استحالة دعوى الإلهية بل هو من الجائزات العقلية فله الواجبات الحكمية، فبقي كون الخبر و الدعوى على احتمال الصدق و الكذب و إنما ترجح الصدق على الكذب بدليل.
و للمتكلمين طرق في إثبات المرجح: أحدها أن اقتران المعجزة بدعوى النبي نازل منزلة التصديق بالقول، و ذلك أنه متى عرف من سنة اللّه تعالى أنه لا يظهر أمرا خارقا للعادة على يدي من يدعي الرسالة عند وقت التحدي و الاستدعاء إلا لتصديقه فيما يجري به و اجتماع هذه الأركان انتهض قرينة قطعية دالة على صدق المدعي فكان المعجزة بالفعل كالتصديق شفاها بالقول و نحن نعلم قطعا في صورة من يدعي الرسالة من ملك حاضر محتجب بستر و الجماعة على كثرتها حضور، ثم إن رجلا من عرض الناس إذا قام بين يدي ذلك الجمع الكثير من الخلق، و قال: أيها الناس إني رسول هذا الملك إليكم و آية صدقي في دعواي أنه يحرك هذا الستر، إذا استدعيت منه، ثم قال: أيها الملك إن كانت صادقا في دعواي الرسالة عنك فحرك هذا الستر فحرك في الحال علم قطعا و يقينا بقرينة الحال أنه أراد بذلك الفعل تصديق المدعي و نزل التحريك منه على خلاف العادة منزلة التصديق بالقول و لم يشك واحد من أهل