نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨٤
طائِعِينَ [فصلت: ١١]، يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ [سبأ: ١٠]، وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [الرعد: ١٣]، و يعبر عن أحوال دلالاتهم على وجود الصانع بالتسبيح و التأويب و عن استعدادهم لقبول فعله و صنعه بالطوع و الرغبة قولا و ذلك كله يدل على أن الكلام ليس نوعا من الأعراض ذا حقيقة عقلية كسائر الأعراض بل نطلقه على النطق الذي في اللسان بحكم المواضعة و المواطأة و الإنسان قد يخلو عنه و عن ضده و تبقى حقيقة إنسانيته فإنه إنما يتميز عن الحيوانات بصورته و شكله لا بنفسه أو عقله و نطقه، و قوله و أنتم يا معشر الأشاعرة انتهجتم مناهج الفلاسفة حيث حددتم الكلام بالنطق النفسي كما حدوا الإنسان بقولهم الحيوان الناطق، و جعلوا النطق أخص وصف الإنسان تميز به عن سائر الحيوانات و جعلوه الفصل الذاتي و يلزمكم على مساق ذلك أن تكون النفس الناطقة هي الإنسان من حيث الحقيقة و البدن يكون آلة و قالبا لها، ثم يلزم منه أن يكون الخطاب و التكليف على النفس و الروح دون البدن و الجسد و أن يكون المعاد للأرواح و النفوس و الثواب و العقاب لها و عليها، و ذلك طي لمسالك الشريعة و غي في مهالك الطبيعة [١].
قالت الأشعرية: الذي يشعر به نفس الإنسان معان مختلفة الحقائق وراء التمييز العقلي و التصوير الخيالي فإن التمييز العقلي حكم جزم بأن الأمر كذا و إن الحق في القضية كذا و التصوير الخيالي تقدير ما سمعه من العبارة من العربية و العجمية كما ذكرتم و ليس فيه حكم و نفي الأمر الأوسط و هو التدبير النفساني الذي لا يعدمه كل ذي عقل و نفس من الإنسان سواء عدم النطق اللساني أو لم يعدم.
و من البرهان على ذلك سوى الإحساس الذي لا ينكره إلا معاند جاحد أن كل عاقل مكلف بالنظر و الاستدلال حتى يحصل لنفسه المعرفة بوحدانية الصانع و لن يتأتى الفكر و النظر إلا بترديد الخاطرين في جهات الإمكان و تدبير الأوائل التي هي بداية العقل بالثواني و الثوالث في ترتيب المقدمات القياسية و التمييز فيها بين اليقيني و الجدلي و الخطابي و الشعري ثم التدرج من ذلك الترتيب المخصوص و الشكل الموصوف المعين إلى النتيجة التي هي المطلوبة و هذا التردد لن يتأتى إلا بأقوال عقلية و نطق نفساني يكون اللسان معبرا عنها تارة بالعربية و تارة بالعجمية
[١] انظر: شرح قصيدة ابن قيم (ص ٦٤)، و شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٨٤)، و غاية المرام للآمدي (ص ١٠٦)، و المواقف للإيجي (٣/ ٣٨٥، ٤٠٥).