نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٠
على صدقه من حيث لفظه البليغ و معناه المبين فنقول كما تميز نوع الإنسان عن أنواع الحيوانات بالنطق المعبر عن الفكر و صار ذلك شرفا و كرامة له كما قال تعالى:
وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء: ٧٠]، كذلك تميز لسان العرب و لغتهم من سائر الألسن و اللغات بأسلوب آخر من عذوبة اللسان و رطوبة اللفظ و سهولة المخارج و التعبير عن متن المعنى الدائر في الضمير بأوضح عبارة و أصح تفسير و صار ذلك شرفا و كرامة لهم كما قال تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]، و كذلك تميز لسان النبي صلى اللّه عليه و سلم من لسان العرب بأسلوب آخر من الفصاحة المبينة و البلاغة الفائقة و البراعة المطابقة لما في ضميره من المعاني المبينة و الحقائق الرزينة كما لا يخفى على من أنصف و اعتبر و اختبر كلماته و استبصر و صار ذلك شرفا و كرامة كما قال: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أنا أفصح العرب و أنا أفصح من نطق بالضاد» و كذلك تميز القرآن عن سائر كلماته بأسلوب آخر خارج عن جنس كلام العرب و عن كلماته أيضا و بنوع آخر من الفصاحة و الجزالة و النظم و البلاغة ما لم يعهده العرب في نظمهم و نثرهم و سجعهم و شعرهم بحيث لو قوبل أفصح كلماتهم بسورة واحدة من القرآن كان التفاوت بينهما أكثر من التفاوت بين لسان العرب و بين سائر الألسن و لو خاير مخاير بين كلمات النبي نفسه و بين ما نزل عليه من الكتاب المهيمن على الكتب كلها كان الفرق بينهما فرق ما بين القدم و الفرق و الصرف بينهما صرف ما بين الولاية و الصرف فعلم ضرورة و قطعا أن الذي جاء به وحي يوحى إليه و تنزيل ينزل عليه دلالة له على صدقه و معجزة له على فصحاء العرب و بلغاء أهل اللسان و شعراء ذلك الزمان فتحدى بذلك تحدي التعجيز عن الإتيان بمثله كتابا و قرآنا قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [القصص: ٤٩]، ثم ثنى ذلك فقال فأتوا بحديث مثله و لما عجزوا عن الإتيان بمثله نزل عن ذلك حين قال القوم إنه افتراه فقال قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣] و نزل عن العشر إلى سورة مثله فقال تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٢٣]، و لما ظهر عجزهم
نهاية الأقدام في علم الكلام ٢٥١ القاعدة العشرون في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم