نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٠
تقم القيامة و لم يحشر الناس و لم يحضر عيسى عليه السلام، و لكن لما كان القول الحق متعاليا عن الزمان كان ما سيوجد كأن قد وجد و كان نسبة الخطاب إليه و هو في ذلك الوقت كنسبته إليه، و هو في هذا الوقت و من أمكنه أن يرفع الزمان من صميم قلبه هان عليه إدراك المعاني العقلية و سهل عليه معرفة تعلق العلم الأزلي بالمعلومات و الأمر الأزلي بالمأمورات و علم أن الاختلاف راجع إلى العبارات و التعبيرات انظر كيف نشير إلى لمحات الحقائق على لسان الفريقين و إن كانا بمعزل عن دقائق الطريقين و أنى لهم تصور نزول الروحانيات و تشخصها بالجسمانيات كما أخبر التنزيل عنه فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: ١٧]، و كيف يستقيم على مذهب المتكلم تمثل الروح بالشخص البشري إبان تعدم الروح و يوجد الشخص و ليس ذلك من التمثل في شيء أو بأن يستعمل الروح شخصا موجودا بشريا و لم يكن ذلك تمثلا أيضا بل تناسخا و إذا لم يمكنه تقرير التمثل و التشكل أعني تمثل الروحاني بالجسماني كيف يمكنه تصور الأمر الأزلي بتمثل اللسان العربي تارة، و اللسان السرياني طورا، حتى يجب أن يقال كلام اللّه كما يجب أن يقال: «هذا جبريل جاءكم ليعلمكم دينكم» [١] ثم لباس جبريل يتبدل و لا تتبدل حقيقته التي هو بها جبريل و لباس الكلام الأزلي يتبدل و لا تتبدل حقيقته التي هو بها كلام و أمر و نهي واحد أزلي وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]، حق في حق المشرك المستجير و يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي [الأعراف: ١٤٤] صدق في حق الكليم المستنير فبين الكلامين فرق ما بين القدم و الفرق بين السمعين صرف ما بين الولاية و الصرف و لو كان الكلام في الموضعين حروفا منظومة أصواتا مقطعة بطل الاصطفاء على الناس و حصل التساوي و استماع الناس و الخناس، و لكان حكم الكليم في خطابه يا موسى حكم الطريد في طرده يا فرعون و لكان الذي لا يسمع من موسى أسعد حالا من موسى إذ سمع من الشجرة التي هي جماد و في الموضعين الكلام حروف و أصوات.
قالت المعتزلة: إذا أثبتم كلاما أزليا فإما أن تحكموا بأن كلام اللّه أمر و نهي
[١] رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٢١٠)، و البيهقي في الكبرى (١/ ٤٦٦)، و أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٠)، و عزاه للبزار و قال: فيه الضحاك بن نبراس، قال البزار:
ليس به بأس، و ضعفه الجمهور.