نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٣
و من قال بقدمه فقد لزمه حصول العالم من الامتزاج و الامتزاج إن كان خيرا فهو حصول خير من شر، و إن كان شرا فهو حصول شر من خير، ثم لو كان الامتزاج خيرا أوجب أن يكون الخلاص شرا لأنه ضده و لو كان شرا فالخلاص خير و على أي وجه قدّر فلا بد من حصول خير من شر و حصول شر من خير.
و نقول أيضا العقل بالضرورة يقضي بأن امتزاج جوهرين بسيطين لا يقتضي إلا طبيعة واحدة و نحن نرى مختلفات في العالم اختلافا في النوع و الشخص و الحقيقة و الصورة على طبائع مختلفة و أعراض متضادة و هذه المختلفات يستحيل أن تحصل من امتزاج أمرين بسيطين فقط فإنهما لا يوجبان أمورا على خلاف ذاتيهما و لا يوجدان أكوانا على ضد طبيعتهما، فقد بطل قولهم إن الكون و الكائنات حصلت من الامتزاج بل لا بد من إسنادهما إلى فاطر حكيم قادر عليم.
و أما الكلام على المعتزلة فنذكر أولا طريق أهل السنة في إسناد الكائنات إلى اللّه سبحانه خلقا و إبداعا [١].
و لهم طريقان في ذلك أحدهما قولهم الأفعال المحكمة دالة على علم مخترعها إذ الإتقان و الإحكام من آثار العلم لا محالة و إذا كان الفعل صادرا من فاعل متقن فيجب أن يكون من آثار علم ذلك الفاعل و من المعلوم أن علم العبد لا يتعلق قط بما يفعله من كل وجه بل لو علمه علمه من وجه دون وجه علم جملة لا علم تفصيل فوجوه الإحكام في الفعل لم تدل على علمه و ليست من آثار علمه فيتعين أن الفاعل غيره و هو الذي أحاط به علما من كل وجه و هذه الطريقة هي التي اعتمد عليها الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي اللّه عنه و أوردها في كتبه و فرضها في الغافل إذا صدر عنه فعل.
و الحق أن الدليل ليس بمختص بالغافل فإن الغافل كما لم يحط علما بالفعل من كل وجه كذلك العالم لم يحط به علما من كل وجه و الفاعل الخالق يجب أن يكون محيطا بالفعل من كل وجه إذ الإحكام إنما يثبت فيه من آثار علمه لا من آثار علم غيره و يدل على علمه لا على علم غيره فكما يستحيل إيجاد الفعل و اختراعه على
[١] انظر: غاية المرام (ص ٢٠٦، ٢١٢، ٢١٤)، و الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ١٢٠، ١٢٤، ٢٦٩، ٣١٧، ٣٤٩)، و مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ٤٨٥)، و الفصل في الملل و النحل لابن حزم (١/ ٤٣، ٤٤)، و الملل و النحل للمصنف (١/ ٢٣٧، ٢٤٤، ٢٥٣)، و فضائح الباطنية للغزالي (ص ٤٠)، و اختلاف فرق المسلمين و المشركين للرازي (ص ٨٨، ٨٩)، و المواقف للإيجي (٢/ ٦٠٨، ٦١٦).