نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥١
الكائنات و كونها مقتضية بالعرض و بين أصل الكون و الكائنات و حصولها على سبيل اللزوم، فليس إذا في الوجود شيء هو مقتضى بالذات حتى يكون شيء آخر هو مقتضى بالعرض، و ما ذكرتموه من حد الخير أنه يتشوقه الكل يبطل قاعدتكم في الإرادة فإن الباري لا يتشوق الخير بل يتشوقه الكل فهو الخير المحض و هو المراد لا المريد و ما سواه فليس بخير و لا مراد إذ لا يتشوقه الباري تعالى فلم يرده و يرجع الكلام إلى شبه الطامات، و قولكم إنه إذا علم النظام و أبدعه فقد أراده فجعلتم الإرادة مركبة من سلب و إضافة أما السلب فمن جهة أنه عالم أي غير محتجب عن ذاته بذاته و أما الإضافة فمن جهة أنه مبدأ النظام الخير و النظام في الوجود تابع و لازم لكونه عالما و الشر في الوجود لازم و تبع للنظام فما الفرق بين لازم و لازم و عندكم الجزئيات معلومة تتبع الكليات و الكليات معلومة تبعا لعلمه و هي معلومة على منهاج كونها معلومة فالشر و القبائح يجب أن تكون مرادة على منهاج كونها معلومة و قولكم الشر المحض ليس بموجود أصلا فإن الوجود اشتمل على الخير أو هو خير كله.
فنقول أثبتم ترتيبا في الوجود حتى قضيتم بأن الوجود في بعض الموجودات أول و أولى و في بعضها لا أول و لا أولى فهلا أثبتم فيه تضادا أيضا حتى تحكموا بأن الوجود في بعض الموجودات خير كله و في بعضها شر كله و قد سمعتم من أصحاب الشرائع إثبات الملائكة الروحانيين و ذلك خير كله و إثبات الشياطين و هذا شر كله، و أصحاب الأصلين النور و الظلمة يقرءون عليكم السلام للإلزام و أصحاب الكلام يلزمونكم إثبات موجودات في العالم غير مستندة إلى الموجد كأنها وقعت اتفاقا لا قصدا أو حدثت فلتة لا إرادة و اختيارا فإن كانت لا مستند لها فهي مخلوقة لا خالق لها و إن كان مستندها خيرا محضا فكيف يصدر الشر من الخير و إن كان مستندها شرا محضا فالشر المحض لا وجود له عندكم فما الجواب و كيف الخروج عن عهدة الخطاب.
و نقول نرى العالم الجسماني مملوء بالبلايا و المحن و الرزايا و الفتن و مشحونا بالآفات و العاهات و الطوارق و الحسرات و متموجا بالجهالات و فاسد الاعتقادات و أكثر الخلق على الأخلاق الذميمة و الخصال اللئيمة و استيلاء القوة الشهوية و الغضبية على العقلية حتى لا تكاد تجد في قرن من القرون إلا واحدا يقول بالحكمة الإلهية التي هي التشبه بالإله عندكم أو فرقة يسيرة ترتسم بالمراسيم الشرعية التي هي امتثال الأوامر الإلهية عندنا بل أكثرهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]، وَ ما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ