نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٩
فهو كفران صريح، فلا النعمة تقبل المقابلة و لا المعاوضة و لا المنعم يقبل النفع و الضر، و كيف يحسن الشكر و الشكر إنما ينفع الشاكر أن لو حصل على رضى المشكور و إذنه فإذا لم يعرف رضاه و إذنه إلا بالسمع فلا يحسن الشكر إلا بالشرع و لكن لما تربى الإنسان على مناهج الشرع و رأى أهل الدين يستحسنون الشكر، و قرأ آيات تحسين الشكر ظن أن مجرد العقل يقضي بذلك.
أما الجواب عن مقالة الفلاسفة قولهم: إن الوجود قد اشتمل على خير محض و شر محض و خير و شر ممتزجين فهو كلام من لم يتحقق الخير و الشر ما هو؟ فما المعنى بالخير أولا؟ فإن الخير يطلق على كل موجود عندكم و على هذا الشر يطلق على كل معدوم و على هذا لم يستمر قولكم الوجود يشتمل على خير مطلق فكأنكم قلتم اشتمل الوجود على الوجود و هو تكرار غير مفيد و لم يستتب قولكم و على شر مطلق فإن الشر المطلق هو المعدوم و الوجود كيف يشتمل على العدم فلم يصح التقسيم رأسا على أنا إنما فرضنا المسألة في الحركات التي ورد عليها التكليف فإن الخير و الشر فيها هو المقصود بالحسن و القبح و قد ساعدتمونا على أن حكمها في الأفعال غير معلوم بالضرورة و لا العقل يهتدي إليه بالنظر لأن ذلك يختلف بالإضافات و الأزمان فبقي قولكم العلم من حيث هو علم محمود و كل محمود مطلوب لذاته و الجهل بالعكس من ذلك فهو مسلم، و لكن الطالب إذا حصل له المطلوب فهل يستوجب على اللّه ثوابا أم لا و إن لم يحصل بل حصل ضده هل يستوجب عقابا أم لا لأن التنازع إنما وقع من حيث التكليف لا من حيث ذات الشيء و صورته [١].
قالوا: معنى الجزاء عندنا ترتب سعادة و شقاوة أبدية على نفس عالمة أو جاهلة كترتب صحة و سلامة في البدن على شرب دواء و ذلك حاصل له بالضرورة و كترتب مرض و ألم في البدن على شرب سم و ذلك حاصل له بالضرورة أيضا.
قيل: إذا كان سعادة النفس مترتبة على حصول قوى العلم و العمل و خروجهما من القوة إلى فعل يحتاج إلى معاناة أمور شديدة و مقاساة أحوال عسيرة من تحصيل المقدمات و الوقوف على كيفية تأديها بالطلب أو المطلوب، و لم تكن الفطرة الإنسانية بمجردها كافية في التحصيل و تعارض الأمر عند العقل يوقف العاقل لئلا يقع في طريق يفضي به إلى الجهالة الموجبة للشقاوة فإن التوقف أولى من اقتحام الخطر في المهالك،
[١] انظر: غاية المرام (ص ٢١٣)، و الملل و النحل للمصنف (٢/ ١٨١، ١٨٢)، و إيثار الحق على الخلق لمحمد القاسمي (ص ٢٣١)، ط. دار الكتب العلمية- بيروت.