نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٧
بها المعنى كذلك قولنا هذا كلام اللّه و كلام اللّه بين أظهرنا لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩]، و قوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة: ١٢١]، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٧]، راجع إلى العبارة ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٩]، راجع إلى المعنى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٧، ٧٨]، و لو كان الكتاب من حيث هو كتاب هو القرآن لما قال فِي كِتابٍ و في آية أخرى يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ٢ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة ٢، ٣]، فتارة كان القرآن في كتاب و تارة كان الكتاب في القرآن و من أدرك الطرفين على حقيقتهما سهل عليه التمييز بين المعنيين ثم احترام الكتاب لأجل المكتوب كاحترام البيت لأجل صاحب البيت.
قالت السلف و الحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام اللّه و أن ما نقرأه و نسمعه و نكتبه عين كلام اللّه فيجب أن يكون الكلمات و الحروف هي بعينها كلام اللّه و لما تقرر الاتفاق على أن كلام اللّه غير مخلوق فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة و لقد كان الأمر في أول الزمان على قولين أحدهما: القدم و الثاني:
الحدوث و القولان مقصوران على الكلمات المكتوبة و الآيات المقروءة بالألسن فصار الآن إلى قول ثالث و هو حدوث الحروف و الكلمات و قدم الكلام و الأمر الذي تدل عليه العبارات، و قد حسن قول ليس منهما على خلاف القولين، فكانت السلف على إثبات القدم و الأزلية لهذه الكلمات دون التعرض لصفة أخرى وراءها و كانت المعتزلة على إثبات الحدوث و الخلقية لهذه الحروف و الأصوات دون التعرض لأمر، وراءها فأبدع الأشعري قولا ثالثا و قضى بحدوث الحروف و هو خرق الإجماع و حكم بأن ما نقرأه كلام اللّه مجازا لا حقيقة و هو عين الابتداع فهلا قال ورد السمع بأن ما نقرأه و نكتبه كلام اللّه تعالى دون أن يتعرض لكيفيته و حقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه و اليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية [١].
قالت السلف: لا يظن الظان أنا نثبت القدم للحروف و الأصوات التي قامت
[١] انظر: الملل و النحل للمصنف (١/ ١٠٧)، و تبيين كذب المفتري لأبي هلال العسكري (ص ١٥٠)، و شرح قصيدة ابن قيم (ص ٢٧٧)، و العقيدة الأصفهانية (ص ٥٨)، و التنبيه و الرد على أهل الأهواء و البدع للملطي (ص ٤٢)، و خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٤٤)، و المناظرة لأهل البدع في القرآن، و الرد على ابن عقيل الحنبلي، كلاهما لابن قدامة الحنبلي بتحقيقنا.