نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٣٣
يتأدى منها و ما يحصل بها نظرا من العلة إلى المعلول و من عرف أخص أوصاف الموجودات عرف الأعم نظرا من الملزوم إلى اللازم و بين البابين بون عظيم بعيد.
و ما تمثل به ابن سينا من حديث خسوف القمر: فهو دليل عليه فإن من علم مثل ذلك العلم أعني إذا كان كذا يكون كذا فيكون علمه مشروطا و هي قضية شرطية فلا يكون علمه علما محققا حتى يقول إن كان الأمر كذا فهو كذا فصار الأمر جزئيا بعد ما كان كليا، و يتعالى علم الباري تعالى عن القضايا الشرطية بل علمه أعلى من أن يكون كليا أو جزئيا أو متغيرا بتغير الزمان أو متكثرا بتكثر المعلومات انظروا كيف عاد تنزيه القوم تشبيها و كيف صار تحقيق القوم تمويها.
قالت الصفاتية: إن الإشكال في هذه المسألة على جميع المذاهب من جهة أنهم تصوروا تعلق العلم بالمعلوم على وجه يتطرق إليه الزمان الماضي و المستقبل و الحال حتى يقال علم و يعلم و هو عالم و سيعلم فظنوا أن العلم زماني يتغير بتغير الحوادث و من تحقق أن العلم من حيث هو علم لا يستدعي زمانا بل هو في نفسه تبين و انكشاف و ذلك إذا كان صفة للحادث و إحاطة و إدراكا إذا كان صفة للقديم فهو مع وحدته محيط بكل الأشياء و مع إحاطته واحد و من تحقق كونه واحدا سهل عليه الإشكال.
فالبرهان على أن علمه شيء واحد: أنه لو كان كثيرا لم يخل إما أن يتعدد بتعدد المعلومات كلها و المعلومات من حيث إن لها صلاحية المعلومية من الواجب و الجائز و المستحيل لا تتناهى على التقدير فيلزم أن تكون العلوم المتعلقة بها لا تتناهى على التحقيق و قد قام الدليل على أن أعدادا في الوجود المحقق بالفعل لا تتناهى مستحيل و إنما حصره الوجود فهو متناه بالضرورة و إما أن يتعدد بعدد مخصوص فيستدعي مخصصا خاصا و القديم لا مخصص فإذا علمه تعالى واحد فهو متعلق بجميع المعلومات و المعلومات لا تتناهى فعلمه متعلق بما لا يتناهى و لا يفرض اختصاصه بمعلوم معين كالعلم الحادث فإن الاختصاص و الانحصار نقص و قصور من حيث إنه لا يختص إلا بمخصص و الدليل على ذلك أن ما من علم يفرض إلا و يصح تعلق علم واحد منا به ثم لا يثبت لنا العلم بالمعلوم إلا ضروريا أو كسبيا و على أي الوجهين فرض ثبوته فاللّه تعالى موجده و مبدعه فإذا وجد كان عالما به و إذا وجب كونه عالما بالعلم فهو عالم بالمعلوم إذ يستحيل أن يعلم العلم و لا يعلم المعلوم فلزم أن يكون العلم القديم متعلقا بكل معلوم و إنما اقتصر العلم الحادث على بعض المعلومات لجواز طريان الضد عليه و إلا فالعلم من حيث هو علم لم يمتنع عليه التعلق بكل معلوم و كذلك كل صفة قديمة فإن متعلقاتها لا تتناهى فقد أطلقت الأشعرية بأن معلومات اللّه تعالى في كل معلوم لا