نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٠
الباري تعالى كسائر الأفعال و لا يرجع إليه حكم الكلام إلا أنه فاعل صانع فما الدليل على أنه متكلم أعني يوصف بمعنى يقوم بمحل آخر فما الفرق بين مذهبكم و بين مذهب من قال إنه يخلق فعلا يفهم عند ذلك أنه تعالى يريد من العبد فعلا أو يكرهه، و إن أضيف إليه الكلام كان مجازا كما قال تعالى خطابا للسماء و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١]، فلم يجز من حيث الحقيقة كلام هو اقتضاء و أمر و إيجاب من اللّه تعالى و لا تسلم و ائتمار و استيجاب من السماء و الأرض من حيث القول.
قالوا: طريقنا في إثبات كونه متكلما هو المعجزات الدالة على صدق قول الأنبياء عليهم السلام و هم الصادقون المخبرون عن اللّه تعالى أنه قال كذا و أمر بكذا و نهى عن كذا.
قيل لهم: قد سددتم على أنفسكم هذه الطريقة بوجوه؛ أحدها: أنكم زعمتم أنه لو لم يبعث اللّه رسولا كان على العاقل البالغ في عقله وجوب معرفة اللّه تعالى و على الباري تعالى وجوب ثوابه فلو لم يبعث اللّه رسولا فبم كنتم تثبتون كونه متكلما و الثاني مصيركم إلى أن الكلام فعل من الأفعال فما دليلكم على أنه فعل ذلك الفعل الخاص؛ إذ ليس كل مقدور فهو واقع بفعل اللّه تعالى و الثالث زعمتم في الإرادة أنها مخلوقة لا في محل و في الكلام أنه مخلوق في محل و في الأمرين جميعا يرجع الحكم الأخص إلى الباري تعالى فما الفرق بين البابين.
ثم نقول: ليس يشك العاقل أن الكلام معنى من المعاني سواء كان ذلك المعنى عبارة منظومة من حروف منظومة و أصوات مقطعة أو كان صفة نفسية و نطقا عقليا من غير حرف و صوت و كل معنى قائم بمحل وصف المحل به لا محالة و ذلك المعنى من حيث هو مخلوق مفعول ينسب إلى الفاعل و من حيث هو معنى قام بمحل فينسب إلى المحل فمحل المعنى موصوف به لا محالة فالذي وصف الفاعل به هو وجه حدوثه منتسبا إلى قدرته حتى يقال محدث و الذي وصف المحل به وجه تحققه منتسبا إلى ذاته القابلة له الموصوفة به و هذان وجهان معقولان ليس يتمارى فيهما عاقل فجعلهما وجها واحدا حتى يكون معنى كونه فاعلا هو معنى كونه موصوفا به خروج عن المعقول و مكابرة العقل و لا يرتفع المعنى المعقول بالاصطلاح على أن معنى المتكلم هو الفاعل للكلام.
و مما يدل على ذلك دلالة واضحة أن الكلام عند الخصم عبارة عن حروف