نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٠٩
تقول إنما صار العالم عالما لقيام العلم به و لا يمكنك أن تقول إنما قام العلم به لكونه عالما و لو كان حكمهما في الذات حكما واحدا لم يثبت هذا الفرق و بمثل هذا نفرق بين القدرة الحادثة و المقدور فإن الاستطاعة و إن كانت مع الفعل وجودا إلا أنها قبل الفعل ذاتا و استحقاق وجود و لهذا أمكنك أن تقول حصل الفعل بالاستطاعة و لا يمكنك أن تقول حصلت الاستطاعة بالفعل و هذا قولنا في الشرط و المشروط فإن المحل يجب أن يكون حيا أولا حتى يقوم العلم به و القدرة و لا يمكنك أن تقول العلم و القدرة أولا حتى يكون حيا و إلا فيرتفع التميز بين الشرط و المشروط.
و لا نظن أن هذا الفرق راجع إلى مجرد اللفظ فإن التفرقة المذكورة قضية عقلية وراء اللفظ و لا تظنن أيضا أنه راجع إلى تقديرنا الوهمي حيث يقدر استحقاق وجود لأحدهما دون الثاني و افتقار وجود أحدهما بالثاني فإن كل تقدير وهمي إذا لم يكن معقولا أمكن تبديله بغيره من التقديرات و هذا لا يمكن تبديله بل هذه قضية معقولة فيلزم على ذلك أحد أمرين أما إن يترك القول بالعلة و المعلول و الشرط و المشروط رأسا و لا يطلق لفظ الإيجاب و الاقتضاء على المعاني بل يقال معنى كون الشيء عالما قيام العلم به و معنى قيام العلم به اتصاف محله به من غير فرق لكن يشتق له اسم من العلم فيقال عالم كما يشتق له اسم من الفعل فيقال فاعل و هذا أمر راجع إلى اللغة فحسب فلا اقتضاء و لا إيجاب و لا علة و لا معلول و هذا أهون الأمرين و أما أن يقضي بسبق العلم على العالمية و أن يكون الوجود بالعلم أولا و أولى منه بالعالمية ثم يحكم بسبق الذات على الصفات و أن يكون الوجود بالذات أولا أولى منه بالصفات من حيث أن الذات قائمة بذاتها و الصفات قائمة بها حتى يكون الموصوف من حيث الذات أسبق على الصفة و الصفة من حيث الإيجاب و الاقتضاء أسبق على الموصوف و هذا أشنع الأمرين و الاستخارة إلى اللّه سبحانه و تعالى و هو خير مخير [١].
و من الجوامع بين الشاهد و الغائب الحد و الحقيقة جرى رسم المتكلمين بذكر الحد و الحقيقة في هذا الموضع و قد اختلفوا في أن الحد عين المحدود أو غيره و إنه و الحقيقة شيء واحد أم شيئان.
قال نفاة الأحوال إلى حد الشيء و حقيقته و ذاته و عينه عبارات عن معبر واحد.
[١] انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٢٧، ١٣٧٠)، و شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٦)، و الفرق بين الفرق (ص ٩٦، ١٦٣، ١٨٢، ١٩٣، ٣٠٤)، و الملل و النحل للمصنف (ص ٨٦، ٩٢، ٩٣، ١٠٨)، و حجج القرآن للرازي (ص ٧، ٤٧).