نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٨
و ربما يجيب المتفلسف عن إلزام الفيض المختلف عن العقل الواحد فيقول: أنا أقول كما أن العقل واحد ففيض العقل أيضا واحد لكن القوابل و الحوامل تختلف فيختلف الفيض باختلاف المفيض كالشمس إذا أشرقت على زجاجات مختلفة الألوان أعطت كل زجاجة لونا خاصا لائقا بلونها القابل فتعدد الصور و اختلافها إنما حصل من جانب المفيض لا من جانب الفائض و أنتم أثبتم كلاما واحدا و هو في نفسه أمر و نهي و خبر و استخبار فتعدد الخواص و اختلافها فيها إنما حصل من جانب المتعلق لا من جانب المتعلق فلم تستقم التسوية بين البابين بالتعلق و الفيض.
و أما كلامنا في المبدأ و وجوب الصفات له فأبعد في باب التنزيه عن الكثرة و أعلى في منهاج التقديس عن اختلاف الخواص له و الصفات كلها راجعة إلى ذات واحدة هي واجبة الوجود بذاتها و وجودها مستند الموجودات كلها من غير أن يثبت له منها كمال أو يحدث له صفة و هو تعالى بكمال جلاله عديم الاسم و الصفة من حيث ذاته، و إنما يقال له اسم و صفة من حيث آثاره فقط و آثاره فاعليته الصادرة عنه لا معا بل على ترتيب الأول و الثاني و الراجعة إليه لا بغتة بل على تدريج الثاني و الأول من غير أن يحدث كمال في ذاته لم يكن أو يستكمل من حادث كمالا كان جل جلاله بذاته و تقدست أسماؤه لصفاته.
قالت الأشعرية: نحن لا نثبت الحقائق المختلفة و الخواص المتباينة لكلام واحد إنما يلزمنا التضاد بين أمرين يتقابلان من كل وجه فيتضادان فأما إذا لم يتقابلا بل اختلفت المتعلقات و اختلفت الوجوه فلا يبعد اجتماعهما في حقيقة واحدة و نحن لو قلنا الأمر بالشيء و النهي عن ضده أو الأمر بالشيء و النهي عنه شيء آخر أو أمر شخص واحد بشيء و نهي شخص آخر عن ذلك الشيء لا يستحيل و كذلك إذا اختلف الزمان و المكان و الوجه و الاعتبار لم يحصل التضاد فلم يلزم الاستحالة و هذا إن ألزم علينا التضاد و إن ألزم علينا الاختلاف بين الحقيقتين دون التضاد فالجواب عنه أن اجتماع مثل ذلك في شيء واحد من وجوه مختلفة غير مستحيل فإن الجوهر يوصف بأنه متحيز و قابل للأعراض و ذو حجم و مساحة و نهاية و هي صفات و أحوال و وجوه و اعتبارات مختلفة و ما استحال اجتماعها في حقيقة الجوهرية و قد قدمنا الفرق بين الأقسام و بين الأوصاف و قولهم إن كون الكلام أمرا و نهيا و خبرا أقسام الكلام إذ يقال الكلام ينقسم إلى كذا أو إلى كذا و كل قسم إنما يتميز عن قسم بأخص وصفه في قول صحيح في الكلام شاهدا فإن الكلام القولي في اللسان أو النطق النفساني في الذهن من جملة الأعراض التي يستحيل بقاؤها و لا تتحد ذاته و تتعدد جهاته بل ذاته متعددة بتعدد جهاته فما هو أمر بشيء غير و ما هو نهي عن شيء غير و يضاد الأمر