نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٢
و لو قدرنا اثنين واجبي الوجود اشتركا في كون كل واحد منهما واجب الوجود فلا بد أن ينفصل أحدهما عن الثاني بفصل يخصه فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه و هو ذاتي لهما فيكون جنسا و ما يخص أحدهما دون الثاني فصلا و يكون ذاته متركبا منهما و يجب أن تكون الأجزاء متقدمة بالذات على ذاته فيكون متأخرا عنها بالذات فيكون واجبا بها لا بنفسه و ذاته فهو خلف فإذا نوع واجب الوجود سواء أطلق إطلاقا أو خصص تخصيصا لا يجوز أن يكون إلا واحدا فوجوده وجوبه و وجوبه حقيقته و حقيقته وحدته و وحدته تخصصه و تعينه من غير أن يتمايز وجوب عن وجود و وجود عن ماهية و حقيقة و عن هذا نفوا صفات الباري تعالى زائدة على الذات كما سيأتي تفصيل ذلك في مسألة الصفات إن شاء اللّه.
ثم جرحوا دلالة الخير و الشر بل وقوع الشر في الوجود على مذهبهم.
بأن قالوا: الشر لا معنى له إلا عدم وجود أو عدم كمال وجود و العدم يدخل في القضاء بالعرض لا بالذات بل القصد الأول في الإبداع أن يكون وجود ثم القسمة العقلية أن يكون وجود هو خير محض أو يكون وجود لا يتحقق حصوله إلا على أن يتبعه شر أما وجود الشر المحض فهو مستحيل بل الوجود الذي أكثره شر كذلك فلا وجود وجود يتبعه شر قليل أكثر شرا من وجوده فالشر داخل في الوجود بالقصد الثاني و لا دلالة له على مدلول إذ لا حقيقة لوجوده كما بيناه.
و قد سلكت المعتزلة طريق التمانع في استحالة الإلهين كما سلكناه، و لم يستمر لهم ذلك حيث جوزوا اختلافا في إرادة الباري سبحانه و إرادة العبد و اختلافا في الفعل فلا تمانع.
و سلك الكعبي طريقا آخر، و قال لو قدرنا قائمين بأنفسهما لا يتميز أحدهما عن الآخر بزمان أو مكان أو حيز لا يكون لأحدهما حقيقة خاصية يمتاز أحدهما عن الثاني بها فهو مستحيل عقلا و الخصم ربما يقول: هذا هو نفس النزاع عبرت عنه تعبيرا و صيرته دليلا فإن جماعة من العقلاء صاروا إلى إثبات جواهر عقلية من عقول مجردة و نفوس مجردة قديمات قائمات بأنفسها و يمتاز بعضها عن بعض بخواص و حقائق و لم تمنع العقول ثبوتها و من أراد أن يسلك هذه الطريقة فلا بد أن يزيد فيها شروطا حتى يتحقق الاستحالة و تتضح للعقل و اللّه أعلم.