نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣١
قوة إلا باللّه و ذلك كنز من كنوز الجنة و هذه الحالة أعني حالة البلوغ و الاستقلال هي مثار القوى الحيوانية منها الغضبية و الشهوية قال الصديق الأول يوسف عليه السلام* وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ٥٣ [يوسف: ٥٣]، و ذلك عند مثار القوى الشهوية و وكز الكليم عليه السلام ذلك القبطي فقضى عليه فقال: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص: ١٥]، و ذلك عند مثار القوة الغضبية و تبرأ الرسول صلى اللّه عليه و سلم من القوتين جميعا فقال في كل حال «اللهم واقية كواقية الوليد» «رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» و على هذه الحالة النفس الثالثة و هي تمتد إلى آخر العمر فلا تزيده مواعظ الشرع ترغيبا و ترهيبا و لا تجانبه مواقع التقدير تنبيها و تحذيرا فإن انفتح سمعه لمواعظ الشرع و بصره لمجاري التقدير انشرح صدره و صار على نور من ربه فذلك الشرح و البسط أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: ٢٢]، و إن جعل إصبعه في أذنيه فلم يسمع الآيات الأمرية و أسبل جفنه على عينيه فلم يبصر الآيات الخلقية صار على ظلمة من طبعه و ذلك الطبع و الختم بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [النساء: ١٥٥]، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: ٧]، و ربما يكون الختم و الطبع من قساوة في جوهر جبلية اكتسبها من أصل فطرته و ربما يكون على كفره و نفاق آثره على خلاف فطرته فالتقدير مصدر و التكليف مظهر و الكل مقدر و المقدر ميسر لما خلق له فالحاصل أن الموكول إلى حوله و قوته في خذلان اللّه تعالى و المتوكل على حول اللّه و قوته في توفيق اللّه تعالى فعلى رأي القدرية العبد أبدا في الخذلان إذ هو موكول إلى حوله و قوته و لم يستعن باللّه و لم يتوكل على اللّه.
و على رأي الجبرية العبد أبدا في الخذلان إذ هو خاذل نفسه عن امتثال أمر اللّه تعالى لم يعبد اللّه و لم يحفظ حدود اللّه تعالى.
و الحق الذي لا غبار عليه إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥]، محافظة على العبودية وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، استعانة بالربوبية و التوفق و الخذلان و الشرح و الطبع و الفتح و الختم و الهداية و الضلال ينتسب إلى اللّه تعالى بشرط أن يكون أحق الاسمين به أحسن الاسمين وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الأعراف: