نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٨
نراجع أستاذنا و إمامنا ناصر السنة [صاحب الغنية و شرح الإرشاد] أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري فيها و يتكلم عليها فما يزيد فيها على إثبات وجه فاعلية الباري سبحانه و تعالى مما يقصر عن دركه عقول العقلاء ثم الذي كان يستقر كلامه عليه قال ثبت جواز وجود العالم عقلا و ثبت حدوثه دليلا و يعرف أن ما حدث بذاته فيجب نسبة حدوثه إلى واجب الوجود بذاته و الخصم إنما يطالب بوجه النسبة فإن الموجد إذا كان لا يوجد و أوجد فنسبة الحادث إليه قبل الإيجاد كنسبته إليه حال الإيجاد و بعده و لم يحدث أمر ما و لا سبب فلم وجد و لم أوجد و بالجملة فما معنى الإيجاد و الإبداع إن قلت إنه علم وجوده في هذا الوقت و أراد وجوده فيه قيل: العلم عام التعلق، و الإرادة عامة التعلق فنسبة وجوده إلى الإرادة العامة في هذا الوقت على هذا الشكل كنسبة وجوده في غير هذا الوقت على غير هذا الشكل، و كذلك القول في القدرة فإنها في عموم تعلقها كالإرادة: و العلم فلا خصوص في الصفات، فكيف يختص الفعل و هذا الموضع منشأ ضلال بعض المتكلمين، فإن الكرامية أثبتوا حوادث في ذات الباري تعالى من الإرادة و القول، و هي التي تخصص العالم بالوجود دون العدم و المشيئة القديمة تتعلق عندهم تعلقا عاما و الإرادة تتعلق تعلقا خاصا و فرقوا بين الأحداث و المحدث و الخلق و المخلوق و المعتزلة أثبتوا إرادات حادثة لا في محل هي التي تخصص العالم بالوجود دون العدم و لم يفرقوا بين الإحداث و المحدث و الخلق و المخلوق و الأولى أن نسلك في حل الإشكال طريق إبطال مذهب الخصم ثم نشير إلى ما يلوح للعقل من معنى الإيجاد.
فنقول: اتفقنا على أن العالم جائز لذاته محتاج إلى مرجح لجانب الوجود على العدم فالمرجح لا يخلو إما أن يرجح من حيث هو ذات أو من حيث هو وجود و يلزم عليه أمران أحدهما: أن يكون كل ذات و كل وجود مرجحا، و الثاني: أن يحدث ما يجوز وجوده مما لا يتناهى فإنه نسبة الجميع إلى الذات و الوجود نسبة واحدة و الوجهان محالان، و إما أن يرجح من حيث هو ذات أو وجود على صفة أو على اعتبار و وجه فإن يرجح من حيث هو وجود على صفة فقد سلمت المسألة و بطل الإيجاب الذاتي و أن يرجح من حيث هو وجود على وجه كما قال الخصم إنه واجب الوجود لذاته، و إنما أوجب من حيث أنه واجب لذاته و هو وجود على وجه فهو أيضا باطل فإن وجوب الوجود لذاته معناه أمر سلبي أي وجوده غير مستفاد من غيره و من فهم وجودا غير مستفاد لم يلزمه أن يفهم أنه مفيد غيره، و كذلك من فهم أنه عالم أو عقل و عاقل كما قال الخصم لم يلزم منه أن يفهم منه أنه موجد مفيد الوجود غيره لأن