نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٦
و الرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة و تطهيرها عن تسويل الشيطان فإنهم الباقون على أصل الفطرة، و ما كان له عليهم من سلطان، و قال: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى [الأعلى: ٨، ٩]، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: ٤٤]، و من رحل إلى اللّه قربت مسافته حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع، فعرف احتياجه إليه في تكوينه و بقائه و تقلبه في أحواله و أنحائه، ثم استبصر في آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، ثم استشهد به على الملكوت لا بالملكوت عليه أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣]، عرفت الأشياء بربي و ما عرفت ربي بالأشياء، و من غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، و من تعالى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط، فثبت بالدلائل و الشواهد أن العالم لا يتعطل عن الصانع الحكيم القادر العليم سبحانه و تقدس [١].
و أما تعطيل الصانع عن الصنع فقد ذهب و هم الدهرية القائلين بقدم العالم إلى أن الحكم بقدم العالم في الأزل تعطيل الصانع عن الصنع و قد سبق الرد عليهم بأن الإيجاد قد تحقق حيث تصور الإيجاد و حيث ما لم يتصور لم يكن تعطيلا و كما أن التعطيل ممتنع كذلك التعليل ممتنع و أنتم عللتم وجود العالم بوجوده و سميتم معبودكم علة و مبدئا و موجبا، و ذلك يؤدي إلى أمرين محالين أحدهما بثبوت المناسبة بين العلة و المعلول و قد سبق تقريره، و الثاني: أن العلة توجب معلولها لذاتها، و القصد الأول وجود العالم من لوازم وجوده بالقصد الأول فإن العالي لا يريد أمرا لأجل الأسفل، فبطل أيضا التعليل، و هذا من الإلزامات المفحمة التي لا جواب عنها.
أما تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الذاتية و المعنوية و عن الأسماء و الأحكام، فذلك مذهب الإلهيين من الفلاسفة، فإنهم قالوا: واجب الوجود لذاته واحد من كل وجه فلا يجوز أن يكون لذاته مبادئ تجتمع فيتقدم واجب الوجود لا أجزاء كمية و لا أجزاء حد سواء كانت المادة و الصورة أو كانت على وجه آخر بأن يكون أجزاء لقول الشارح لمعنى اسمه و يدل كل واحد منهما على شيء هو في الوجود غير الآخر بذاته و ذلك لأن ما هذا صفته فذات كل واحد منه ليس ذات الآخر و لا ذات المجتمع، و إنما تعينه واجب بالذات فليس يقتضي معنى آخر سوى وجوده، و إن وصف بصفة
[١] انظر: الملل و النحل للمصنف (١/ ١٦٦).