نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٤٥
وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ [الأنعام: ٤]، ما نسبتهم إلى العناد الصرف نسبوك إلى الجور المحض فما وجه الخلاص ولات حين مناص.
قال أهل الحق: أما الجواب عن السؤال الأول أن المعتاد إنما لم يكن دليلا لأنه لا اختصاص له بدعوى المدعي و غير المعتاد يختص بدعواه اختصاص دلالة أما من حيث القرينة كحمرة الخجل و صفرة الوجل و أما من حيث إن اختصاص الفعل بدعواه كاختصاصه بوقت معين ثم اختصاصه بوقت معين دليل قصد المخصص بالوقت و اختصاصه بدعواه دليل قصد المخصص إلى التصديق، و الوجهان حاصلان بنفس الاقتران و لو توالى الخارق بعد ذلك لم ترتفع هذه الدلالة فإن اعتياده في ثاني الحال لم يرفع القرينة الأولى و لا أبطل الاختصاص الأول و قال بعضهم المعجزة كما سلمت عن المعارضة تسلم عن الاعتياد في ثاني الحال، و لهذا لم يعهد من معجزات الأنبياء ما كان خارقا في الأول ثم صار معتادا في الثاني الحال، و إنما هو إلزام تجويزي عقلي فيندفع بما ذكرناه منعا للإلزام.
و أما الجواب على السؤال الثاني فهو يقارب ما ذكرناه من تحقيق وجه دلالة المعجزة، و بالجملة التجويزات الخيالية و الوهمية مدفوعة بالدلائل العقلية و القرائن القطعية، و قد قررنا أن المعجزة ذات دلالة عقلية و هو اختصاصها بتحدي المدعي و اقتضاء الاختصاص قصدا إلى التخصيص و جواز حصول مثل ذلك في قطر من الأقطار أو في وقت من الأوقات لا تخرج الدلالة عن كونها دالة لأنه لم يوجد اقتران يدل على الاختصاص و اختصاص يدل على قصد التصديق و المعجزة أيضا ذات دلالة من حيث القرينة و جواز حصول مثله لا يرفع دلالة القرينة كمن عرف قطعا بحكم قرينة اطراد العادة أن ماء الفرات لم ينقلب دما عبيطا و هو جار جريانه في الأول مع أنه يجوز عقلا أو وهما من قضية قدرة اللّه تعالى أنه قلبه دما جاريا أو يبس النهر عن الجريان و هذا التجويز لا يدفع العلم الضروري و كذلك يجوز عقلا أن تكون الصفرة في الوجه غير دالة على الوجل لكن إذا اقترنت بها حال و سبب للوجل علم ضرورة أنها صفرة الوجل لا صفرة المرض.
و نقول: نعلم ضرورة أن الصعود إلى السماء و المشي على الماء و إحياء الموتى و قلب العصا حية تسعى، و أمثال ذلك نقض لعادة البشر فإذا اقترنت بتحدي الرسالة أو تصديق قول ما كانت آية و حجة على البشر و إن لم تكن نقضا لعادة الملائكة و الجن و المعتبر في كون الآية حجة أن يكون ذلك نقضا لعادة من كانت الآية حجة عليه و العادة عادة له و كذلك لو ادعى النبي مدا و جزرا في جيحون كان ذلك حجة