نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٧
و هذا العذر لا يصح على قاعدة هشام و جهم فإن الإرادة و إن كانت لا تراد فهي بخلاف العلم لأن العلم يعلم فيلزم القول بالتسلسل و هذا الإلزام قد أفحم الكرامية في مسألة محل الحوادث.
و قالت المعتزلة على طريقتهم: الباري تعالى عالم لذاته أزلا بما سيكون و نسبة ذاته أو وجه عالميته إلى المعلوم الذي سيكون كنسبته إلى المعلوم الكائن الموجود و العالم منا بما سيكون عالم على تقدير الوجود و بما هو كائن عالم على تحقيق الوجود فالمعلومات بعلم واحد جائز تقديرا أو تحقيقا و عندهم يجوز تقدير بقاء العلم و يجوز تعلق العلم الواحد بمعلومين و لا استحالة فيه شاهدا أو غائبا ثم أن بعضهم يقول يرجع الاختلاف في الحالتين إلى التعلق لا إلى المتعلق بخلاف ما قال الأشعري إن الاختلاف يرجع إلى المتعلق لا المتعلق و التعلق و قال بعضهم يرجع الاختلاف في الحالتين إلى حالتين.
و قد مال أبو الحسن البصري إلى مذهب هشام بعض الميل حتى قضى بتجدد أحوال الباري تعالى عند تجدد الكائنات مع أنه من نفاة الأحوال غير أنه جعل وجوه التعلقات أحوالا إضافية للذات العالمية و هو في جميع مقالاته ينهج مناهج الفلاسفة و يرد على شيوخه من المعتزلة بتصفح أدلتهم ردا شنيعا.
و قالت الفلاسفة: على طريقهم واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء و إلا فذاته إما متقومة بما يعقل أو عارض لها أن يعقل و ذلك محال بل كما أنه مبدأ كل موجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له و هو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها و الموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها و أشخاصها و لا يجوز أن يكون عاقلا لهذه التغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة و تارة يعلمها معدومة غير موجودة و لكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة و لا واحد من الصورتين يبقى مع الثانية فيكون واجب الوجود متغير الذات بل هو إنما يعقل كل شيء على نحو كلي فعلي لا انفعالي و مع ذلك لا يعزب عنه شيء شخصي لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ و أما كيفية ذلك فلأنه إذا عقل ذاته و عقل أنها مبدأ كل موجود عقل أوائل الموجودات و ما يتولد منها و لا شيء من الأشياء يوجد إلا و قد صار معلوما من جهة ما يكون واجبا بسببه فتكون الأسباب بمصادماتها تتأدى إلى أن يوجد منها الأمور الجزئية فالأول يعلم الأسباب و مطابقتها فيعلم ما يتأدى إليه و ما بينها من الأزمنة و ما لها من العودات فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي كلية أعني من حيث لها صفات و أحوال تستعد بها لأن تكون