نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦٦
العقل عليه و هو أن العبد إذا كان مصدقا بقلبه مخبرا عن تصديقه بلسانه مطيعا للّه تعالى في بعض ما أمره به عاصيا له في البعض استحق المدح بقدر ما أطاع و اللوم بقدر ما قد عصى في الحال و استحق الثواب بقدر الإيمان و الطاعة و العقاب بقدر العصيان في المآل ثم يبقى أن يتعارض أمران أحدهما أن يثاب أولا ثم يعاقب مخلدا أو بالعكس و ليس في الفضل و العدل القسم الأول فإن رحمة اللّه أوسع من ذنوب الخلق و فضله أرجى من العمل و لا تنقصه المغفرة و لا تضره الذنوب و لأن الإيمان و المعرفة أحق بالتخليد عدلا و عقلا من معصية مؤقتة و لأنه لم يؤثر أنّ أحدا يخرج من الجنة إلى النار فبقي القسم الثاني و شفاعة النبي عليه السلام و قد وردت سمعا حيث قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
و ما تمسكوا به من الآيات فمخصوصات عموماتها محمولة على الاستحلال و ظواهرها معارضة بآيات دلت على ذلك منها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨]، و منها قوله تعالى:
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: ٥٣]، و إن خص هذا العام بالتوبة من غير دلالة التخصيص فخص تلك العمومات بحال الاستحلال في كل آية دليل على التخصيص، و أما قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ [النساء: ١٤]، فمعناه يكفر به و رسوله لأنه قرنه بقوله: وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ [النساء: ١٤]، و تعدي جميع الحدود لا يتصور إلا من الكافر و أما المؤمن المطيع للّه عز و جل سبعين سنة كيف يكون متعديا جميع الحدود بمعصية واحدة و كذلك قوله: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة:
٨١]، أي شركا بدليل قوله: وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١]، و الإحاطة من كل وجه لا يتصور في حق المؤمن لأنه بإيمانه منع الإحاطة من كل وجه و قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [النساء: ٩٣]، فمعناه مستحلا قتله لأن العمدية المطلقة من كل وجه لا تتصور إلا من الكافر و دليله آخر الآية من التشديد في العقاب و التغليظ بالغضب و اللعن و ذلك الاتفاق غير مطلق على القاتل الذي لا يستحل الدم و هو خائف و جل و ذكر حال الأشقياء و السعداء مقصور على مآل الحال