نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٧٤
فإن قيل عمر رضي اللّه عنه كان يجوز الإمامة لغير قريش بل لموالي حين قال لو كان سالم مولى حذيفة حيا لما تخالجني فيه شك و أيضا فإنكم ادعيتم أن لا نص في الإمامة و قد ثبت نص في تخصيص قريش بأن قال الأئمة من قريش فما جوابكم عمن يقول إذا ثبت نص في تخصيص قريش عن كل المسلمين فيجوز أن يثبت نص في تخصيص بني هاشم من قريش و أيضا فإنكم ادعيتم في الأول إحالة ثبوت النص و ربطتم في الشريعة فقد ربطتم الإمام بالنص فهلا ادعيتم النص على أبي بكر و لم عقدتم بابا في إبطال النص و إثبات الاختيار.
قيل أما الأول فلأن عمر سلم لأبي بكر ذلك الخبر الذي رواه و لم يظهر منه أنه كان يجوز الإمامة لغير قريش و أما سالم فقد قيل إنه كان ينسب إلى قريش فلذلك قال ما تخالجني شك لما شهد النبي صلى اللّه عليه و سلم بحسن سيرته و أمانته.
و أما النص الخفي الذي يتضمنه الإجماع فهو لعمري لازم جدا فإن الإمامة إذا لم تثبت إلا بالإجماع و الإجماع لا يثبت إلا بالنص فلم يثبت الإمام إلا بالنص.
و الجواب أن النص الضمني في الإجماع ربما يكون نصا في الإمامة و ربما يكون نصا في أن الإجماع حجة فتردد الأمران بين هذين المحتملين فلم يمكنا دعوى النص على أبي بكر و ذلك النص ربما لا يكون نصا ظاهرا لكن قرينة الحال عند القوم و هم شهود الحضرة ربما أورثتهم قطعا فتنزل غير الظاهر عندهم كالظاهر و حصل لهم القطع بذلك و اعلم أن الإجماع إنما كان حجة لأن المجمعين لمجموعهم معصومون عن الخطأ و الكفر و الضلالة و إن كان ذلك جائزا في آحادهم فمجموع هذه الأمة في العصمة نازل منزلة شخص واحد في العصمة و يجوز أن يثبت حكم لمجموع من حيث هو جملة مجموعة و لا يثبت لواحد منهم بخبر المتواتر فإن العلم يحصل بمجموعه و إن لم يحصل بآحاده و كالسكر الحاصل من الأقداح و الشبع الحاصل من اللقم و غير ذلك و عليه حمل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]، و قوله تعالى: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥].
و أما الجواب عن المعضلة التي أوردوها نقول لا يمكن أن يقال إن النبي صلى اللّه عليه و سلم ما كان يعرف من يجلس للإمامة بعده و ينوب منابه فإن كان يخبر أصحابه بما سيكون بعده إلى يوم القيامة من الفتن و البلايا و خروج الدجال و لقد قال صلى اللّه عليه و سلم «زويت لي الأرض فأريت مشارقها و مغاربها و سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» و كان يخبر أصحابه العشرة بما يفعله كل واحد يجري عليه من القدر و أخبر عليا رضي اللّه عنه إنك تقاتل الناكثين و القاسطين