نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٥
و أما الجواب عن الاعتراض الخامس نقول: الرؤية من جملة الحواس الخمس لكن الحواس مختلفة الحقائق و الإدراكات و لكل حاسة خاصية لا يشركها فيها غيرها و ليس منها حاسة تتعلق بجنسي الجوهر و العرض على وتيرة واحدة بل كلها تتعلق بأعراض، و من شرط تعلقها اتصال جسم بجسم حتى يحصل ذلك الإدراك عن السمع فإنه لا يستدعي اتصال جسم بجسم ضرورة بل هو إدراك محض كالرؤية.
ثم اختلف رأي العقلاء في أن المصحح للسمع ما هو فمنهم من قال هو الوجود كالمصحح للرؤية، و منهم من قال المصحح كونه موجودا باعتبار كون المسموع كلاما و الكلام قد يكون عبارة لفظية و قد يكون نطقا نفسيا و كلاهما مسموعان، و نحن كما أثبتناه كلاما في النفس ليس بحرف و لا صوت كذلك نثبت سماعا في النفس ليس بحرف و لا صوت، ثم ذلك السماع قد يكون بواسطة و حجاب، و قد يكون بغير واسطة و حجاب وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: ٥١]، فالوحي ما يكون بغير واسطة و حجاب كما قال تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: ١٠]، و كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «نفث في روعي» [١]، و قد يكون من وراء حجاب كما كان لموسى عليه السلام و كلمه ربه، و قد يكون بواسطة رسول و حجاب كما قال تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: ٥١]، و بالجملة نحن نعقل في الشاهد كلاما في النفس و نجده من أنفسنا كما أثبتناه، ثم يعبر اللسان عنه بالعبارة الدالة عليه، ثم يسمع السامع فيصل بعد الاستماع إلى النفس فقد وصل الكلام إلى النفس بهذه الوسائط، فلو قدرنا ارتفاع هذه الوسائط كلها من البين حتى تدرك النفس ما كانت النفس الناطقة المتكلمة مشتملة عليه فتحقق كلام في جانب المتكلم، و سماع في جانب المستمع و لا حرف و لا صوت و لا لسان و لا صماخ، فإذا تصور مثل ذلك في الشاهد حمل استماع موسى كلام اللّه على ذلك و عن هذا قال: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي
[١] صحيح: رواه الشافعي في مسنده (ص ٢٣٣)، و ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٧٩)، و البزار في مسنده (٧/ ٣١٥)، و البيهقي في الشعب (٢/ ٦٧)، و هنّاد في الزهد (١/ ٢٨١)، و الحاكم (٢/ ٥)، و الطبراني في الكبير (٨/ ١٦٦).