نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٨
المعدوم و العالم يقابله الجاهل و القادر يقابله العاجز فيتحقق له ضد من ذلك الوجه فاحترزوا عن إطلاق لفظ وجودي أو علمي لكيلا يقعوا في التمثيل و التعطيل و نحن نعلم بأن الأسامي المشتركة هي التي تختلف حقائقها من حيث المعاني فإن أسماء الباري تبارك و تعالى إنما تتلقى من السمع، و قد ورد السمع أنه سبحانه عليم قدير حي قيوم سميع بصير لطيف خبير و أمرنا أن ندعوه عز و جل بأحسن الاسمين المتقابلين كما قال تعالى: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]، و لم يحترز هذا الاحتراز البارد و لا تكلف هذا التكلف الشارد.
و قالت طائفة من الشيعة لا يجوز التعطيل من الأسماء الحسنى [١]، و لا يجوز التشبيه بالصفات التي يشترك فيها الخلق فيطلق على الباري سبحانه الوجود و ندعوه بأحسن الأسماء و هو العليم القدير السميع البصير إلى غير ذلك مما ورد في التنزيل لكن لا بمعنى الوصف و الصفة لأن عليا عليه السلام كان يقول في توحيده لا يوصف بوصف و لا يحد بحد و لا يقدر بمقدار الذي كيف الكيف و لا يقال له كيف و الذي أين الأين لا يقال له أين، لكنا نطلق الأسماء بمعنى الإعطاء فهو موجود بمعنى أنه يعطي الوجود و قادر و عالم بمعنى أنه واهب العلم للعالمين و القدرة للقادرين حي بمعنى أنه يحيي الموتى قيوم بمعنى أنه يقيم العالم سميع بصير أي خالق السمع و البصر و لا نقول إنه عالم لذاته أو بعلم بل هو إله العالمين بالذات و العالمين بالعلم و على هذا المنهاج يسلكون في إطلاق الأسامي، و كذلك الواحد و العليم و القدير و ينسب إلى محمد بن علي الباقر أنه قال هل سمي عالما إلا لأنه واهب العلم للعالمين و هل سمي قادرا إلا لأنه واهب القدرة للقادرين و ليس هذا قولا بالتعطيل فإنه لم يمنع من إطلاق الأسامي و الصفات كمن امتنع و قال ليس بمعدوم و لا موجود و لا عالم و لا جاهل و لا قادر و لا عاجز و لكنه استدل بالقدرة في القادرين على أنه قادر و بالعلم في العالمين على أنه عالم و بالحياة في الأحياء على أنه حي قيوم و اقتصر على ذلك من غير خوض في الصفات بأنها لذاته أو لمعاني قائمة بذاته كيلا يكون متصرفا في جلاله بفكره العقلي و خياله الوهمي و قد اجتمع السلف بل الأمة على أن ما دار في الوهم أو خطر في الخيال و الفهم فاللّه سبحانه خالقه و مبدعه و لا محمل لقول علي صلوات اللّه عليه و سلامه لا يوصف بوصف إلا هذا الذي ذكرناه.
[١] انظر: منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٢٤٣)، و شرح قصيدة ابن قيم (٢/ ١٢٥، ١٢٧).