نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥٠
و إلى شر مطلق و إلى خير ممزوج بشر و الأخير إما أن يتساوى فيه الخير و الشر أو يغلب أحدهما أما الخير المطلق الذي لا شر فيه فقد وجد في الطباع و في الخلقة و أما الشر المطلق الذي لا خير فيه و الغالب أو المساوئ فلا وجود له أصلا فبقي ما الغالب في وجوده الخير و ليس يخلو عن شر فالأحرى به أن يوجد فإن لا يكون أعظم شرا من كونه فواجب أن يقتضي وجوده من حيث يقتضي منه الوجود لئلا يفوت الخير الكلي بوجود الشر الجزئي و أيضا لو امتنع وجود ذلك القدر من الشر امتنع وجود أسبابه التي تؤدي إليه بالعرض فكان منه أعظم حالا في نظام الخير الكلي كمثل النار فإن الكون إنما يتم بأن تكون فيه نار و لن يتصور وجودها إلا على وجه تحرق و تسخن و لم يكن بد من المصادفات الحادثة أن تصادف النار ثوب فقير ناسك فتحرقه فالأمر الدائم و الأكثر حصول الخير من النار أما الدائم فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بالنار و أما الأكثر فإن أكثر أنواع الأشخاص في كنف السلامة عن الاحتراق، فما كان يحسن أن يترك المنافع الدائمة الأكثرية لأعراض شرية أقلية فإرادات الباري تعالى الخيرات الكائنة على مثال هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال أرادها بالذات و بالقصد الأول و أراد الشرور الكائنة غير أولية على الوجه الذي يصلح أن يقال: أرادها إرادة بالعرض و بالقصد الثاني فالخير مقتضى بالذات و الشر مقتضى بالعرض و كل يقدر و لو لم يقرر الأمر على ما قررناه للزم أن يكون مصدر الخير غير مصدر الشر و ذاك مذهب الثنوية.
قال المتكلمون: لا تنازعكم في اصطلاحكم على أن الخير المحض ما هو أو أن الخير المحض ممن هو و أن النظام في العالم متوجه إلى كمال في الوجود و إنما النزاع بيننا في الخيرات التي تتعلق بأفعال العباد و إكسابهم مثل الاعتقادات الفاسدة و الجهالات الباطلة و الأخلاق الرديئة و الأفعال القبيحة أ هي حاصلة بإرادتنا دون إرادة الباري أم هي مرادة له عز و جل و ما سوى ذلك من الصور القبيحة و الحيوانات المؤذية و الآفات السماوية و العاهات الأرضية و ما يتبعها من الهموم و الغموم و الآلام و الأوجاع، فلا نزاع فيها أ هي خيرات أم شرور و لا نقول هي خيرات و مصالح و تحت كل منها شر و مع كل بلاء و محنة لطف و في كل فتنة و آفة صلاح و لكل حيوان يؤذي خاصية و مودع في كل جسم من الأجسام منفعة و مضرة و كل مضرة فبالنسبة إلى شيء آخر منفعة لكنا نلزمكم أمرا كليا فإن عندكم الوجود كله بما فيه من الروحاني و الجسماني صادر عن الأول على الترتيب المذكور صدور اللوازم عن الشيء و ما كان على سبيل اللوازم فهو بالقصد الثاني أشبه منه بالقصد الأول فما الفرق بين الشرور الواقعة في
نهاية الأقدام في علم الكلام ١٥١ القاعدة الحادية عشرة في الإرادة