نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣٩
عليه السلام أن لا يكون موكولا لنفسه طرفة عين فلا ينطق عن الهوى و لا يتحرك إلا على متن الهدى، و ذلك هو العصمة الإلهية المقيمة لنفسه المقومة لذاته و لئن كان النطق فصلا ذاتيا لنوع الإنسان وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣، ٤]، فصل ذاتي لنفس النبي عليه السلام أعرف الإشارة و لا تؤاخذني بالعبارة و نقول أنتم معاشر الصابئة سلمتم بنبوة عاذيمون و هرمس و هما شيث و إدريس عليهما السلام فبم عرفتم صدقهما أ بمجرد الدعوى و الخبر أم بدليل و نظر و كل ما قدرتموه دليلا في حق شخص واحد ثبتت به نبوته أو على الجملة صدقه في جميع أقواله فهو دليل المخبر الثاني و الثالث و إن أحلتم الرسالة في الصورة البشرية فهما بشر مثلكم و أنتم مخبرون عنهما بشر مثلنا.
فإن قلتم: إنهما كانا حكيمين عالمين لا نبيين مرسلين قيل و بم وجب عليكم اتباعهما و المحافظة على حدودهما و أحكامهما و انتهاج مناهجهما في الدعوات و الصلوات و الصيام و الزكاة، و قد تساوت أقدامكم في العقول و الأنفس و تشابهت صوركم في البشرية و الإنسانية.
و من عجب ما يلزم منكري النبوة: أن من أنكر النبوة فقد أقر بها من حيث أنكرها فإن النبوة لا معنى لها إلا الخبر عن اللّه تعالى بأنه أرسل رسولا، و من أنكر فقد ادعى أنه مخبر عن اللّه أنه لم يرسل رسولا فقد ادعى الرسالة لنفسه فكان إنكاره إقرارا و عاد إنكاره تسليما، و من سلم أن للّه على عباده تكليفا و أمرا فقد سلم أنه يرسل رسولا، و إنما النزاع وقع في أن الرسالة هل تتصور في الصورة البشرية وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٤]، و إذا بينا أن البشرية لا تنافي الرسالة، فقد أثبتنا جواز انبعاث الرسل و الصابئة سلموا الرسالة للروحانيات، و أوجبوا التوجه إلى هياكلها من الكواكب السبعة، و عملوا الأشخاص على صورة الهياكل فتقربوا إليها و ذلك عود إلى الصورة و الأصنام، و الحنفاء سلموا الرسالة للجسمانيات، و أوجبوا التوجه إلى أشخاصهم و لم يتخذوا أصناما آلهة و لا اعتقدوا النبيين أربابا لكنهم قالوا لهم طرفان بشرية و رسالة قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٣]، فبطرف البشرية يشاكل نوع الإنسان و يشاركه فيأكل و يشرب و ينام و يستيقظ و يحيي و يموت و بطرف الرسالة يشاكل نوع الملائكة و يشاركه فيسبح و يقدس و يبيت عند ربه فيطعمه و يسقيه و تنام عيناه و لا ينام قبله و يموت قالبه و لا يموت روحه و المناظرة بين الفريقين في أول