نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٥
إلى معرفته التي هي أسنى جوائزه و حبائه وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤]، فلا ابتداء الإنعام واجب عليه فعلا و لا إذا قابل نعمة بشكر يسير كان الثواب واجبا عليه لأنه يعد مقصرا في أداء شكر ما أنعم عليه فكيف يستحق نعمة أخرى فمن هذا الوجه لا يثبت قط استحقاق العبد و لا يتحقق قط وجوبه على الرب ثم إن سلم تسليم جدل أنه يستحسن من حيث العادة الشكر على النعم فكذلك يستحسن من حيث العادة أن يتقابل العوضان و يتماثل الأمران قدرا و زمانا و لا يتصور أن يقع التقابل و التماثل بين أكثر كثير النعيم و بين أقل قليلها و لا يتحقق التعاوض بين سرمدي الوجود دواما و بين ما لا يثبت له وجود إلا لحظة أو خطرة أو لفظة كما يقتضي العقل إيجاب الشيء في مقابلة شيء مكافأة و جزاء كذلك يقتضي اعتبار قدر الشيء في مقابلة قدر و بالاتفاق لم يعتبر القدر فيجب أن لا يعتبر الأصل فإن كنا نستفيد الوجوب من العقل و نعتبر العقل بالعادة فهذا هو قضية العقل و العادة صدقا فكيف يثبت مثله استحقاق العبد وجوبا على اللّه تعالى.
و أما الوجوب على العبد و الاستحقاق للّه تعالى فليس من قضايا العقل و العادة أيضا فإنه إذا لم يتضرر بمعصية و لا ينتفع بطاعة و لم تتوقف قدرته في الإيجاد على فعل واحد و حال يصدر من الغير فيستعين به بل كما أنعم ابتداء قدر على الإنعام دواما كيف يوجب على العبد عبادة شاقة في الحال لارتقاب ثواب في ثاني الحال أ ليس لو رمي إليه زمام الاختيار حتى يفعل ما يشاء جريا على نسق طبيعته المائلة إلى لذيذ الشهوات ثم أجزل في العطاء من غير حساب كان ذلك أروح للعبد و ما كان قبيحا عند العقلاء.
ثم نقول من رأس مواجب العقول في أصل التكليف متعارضة الأصول فإنا نطالب الخصم بإظهار وجه الحسن في أصل التكليف و الإيجاب عقلا أو شرعا و قد علم أن لا يرجع إلى المكلف خير و شر و نفع و ضر و زين و شين و حمد و ذم و جمال و نكال و إن كانت ترجع هذه المعاني إلى المكلف لكن المكلف قادر على إسباغ النعم عليهم من غير سبق التكليف فتعارض الأمران أحدهما أن يكلفهم فيأمرهم و ينهاهم حتى يطاع و يعصى ثم يثيب و يعاقب على فعلهم و الثاني أن لا يكلفهم بأمر و نهي إذ لا يتزين منهم بطاعة و لا يتشين منهم بمعصية و لا يثيب ثوابا على فعل و لا يعاقب عقابا على فعل بل ينعم دواما كما أنعم ابتداء أ ليس العقل الصريح يتحير في هذين المتعارضين و لا يهتدي إلى اختيار أحدهما حقا و قطعا فكيف يعرفنا وجوبا على نفسه بالمعرفة و على قالبه بالطاعة أم كيف يعرفنا وجوبا على الفاطر الباري تعالى بالثواب