نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١٦
العقلي في الذات و الصفات و هذا كله محال.
و ساعدهم جماعة من الفلاسفة المعطلة في إلزام هذه الكلمات و زادوا عليهم بأن قالوا قام الدليل على أن واجب الوجود مستغن على الإطلاق من كل وجه فمن أثبت له صفة لذاته أزلية معنى و حقيقة قائمة بذاته فقد أبطل الاستغناء المطلق من الصفة و الموصوف جميعا و أثبت الاحتياج و الفقر في الصفة و الموصوف جميعا أما الصفة فاحتاجت في وجودها إلى ذات تقوم بها، إذ يجب أن تقول قام العلم بالباري و استحال أن تقول قام الذات بالعلم و أما الموصوف فإنما يتم كماله في الإلهية إذا قامت به هذه الصفات حتى لولاها لما كان إلها مستغنيا على الإطلاق فإذا المستغني على الإطلاق لا يكون إلا واحدا من كل وجه و لا كثرة فيه من وجه.
قالت الصفاتية: كما أنكرتم إثبات صفات أزلية أنكرنا عليكم إثبات موصوف بلا صفة إنكارا بإنكار و استبعادا باستبعاد و تقسيمكم إنها عين الذات أم غير الذات إنما يصح إذا كان التقسيم دائرا بين النفي و الإثبات فإن من قال هذا عينه و هذا غيره قد يعني به أنهما شيئان فهذا شيء و ذاك شيء آخر و قد يعني به أنهما شيئان و يجوز وجود أحدهما مع عدم الثاني أو مع تقدير عدم الثاني و نحن لا نسلم أن الصفات أغيار و لا نقول إنها عين الذات لأن حد الغيرين عندنا هو المعنى الثاني لا المعنى الأول ثم إن جاز لمثبتي الأحوال القول بأن الحال لا موجودة و لا معدومة جاز لمثبتي الصفات القول بأن الصفات لا عين الذات و لا غير الذات على أن كل حقيقة التأمت من أمرين محققين في الشاهد مثل الإنسانية فإنها التأمت من حيوانية و ناطقية عند القوم فإذا قيل الناطقية عين الإنسانية أو غيرها لم يصح بأنها لا عينها و لا غيرها و كذلك جزء كل شيء لا عينه و لا غيره ثم هب أنا نسلم الغيرية بالمعنى الأول فقولكم إن كانت قديمة أوجب أن تكون إلها دعوى مجردة بل هو محل النزاع و قولكم القدم هو أخص وصف الإله دعوى لا برهان عليها فإن معنى الإلهية هو ذات موصوفة بصفات الكمال فكيف نسلم أن كل صفة أزلية إله ثم من قال القدم أخص الأوصاف فيجب أن يبين أعم الأوصاف فإن الأخص إنما يتصور بعد الأعم فما الأعم فإن كان الوجود هو الأعم و القدم هو الأخص فقد التأمت حقيقة الإلهية من أعم و أخص فالأخص عين الأعم أو غيره و يلزم على مساق ذلك ما ألزمتموه على الصفات.
و أما قولكم: إن الصفات لو قامت بذاته تعالى لاحتاجت إليها و كان حكمها حكم الأعراض و كان وجود الموصوف أسبق و أقدم بالذات على وجود الصفة فهذا مما يستحق أن يجاب عنه.