نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٨
و قوله سبحانه: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [البقرة: ١٨٦]، الآية، بل الآيات الدالة على القرب أكثر من الآيات الدالة على بعد الفوق و كما ورد وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ و ورد مقرونا به و في الأرض إله و بالجملة من تصور وجوده وجودا مكانيا طلب له جهة ما، و انحيازا عن العالم ببينونة متناهية أو غير متناهية كما أن من تخيل وجوده زمانيا طلب له مدة و تقدما على العالم بأزمنة متناهية أو غير متناهية و كلا التخييلين باطل فهو الأول و الآخر إذ ليس وجوده سبحانه زمانيا و الظاهر و الباطن إذ ليس وجوده مكانيا.
و أما الشك الثاني الذي أوردوه على سبيل الإلزام، و هو الاتفاق من الكرامية و الصفاتية أن اللّه سبحانه ذاتا و صفات و الصفات قائمة بالذات و ليست كل صفة بحيث الثانية بل بحيث الذات.
قيل من أثبت الصفات الأزلية قائمة بذات الباري تعالى ليس يعني بالقيام ما عنيتم و لا أطلق أنها بحيث هو كما أطلقتم بل يعني بالقيام وصف الباري سبحانه و تعالى بها و الوصف من حيث هو وصف لا يقتضي أن يكون الموصوف بحيز و جهة، ثم الحكم للوصف بأنه معنى موجود أو حال فهو بمعنى آخر و إلا فمجرد الوصف و الصفة من حيث هو وصف لا يقتضي ذلك، ثم إطلاق لفظ الحيث أيضا قد اتسع حتى يقال هذا في العرض من حيث هو موجود له حكم و من حيث هو عرض له حكم و ليس يعني بإطلاق لفظ الحيث إلا الاعتبار العقلي و الوجوه العقلية و الحاصل في هذا السؤال أن الألفاظ التي أوردوها كلها مشتركة، و لفظ القائم بالذات و القائم بالغير [١]، و لفظ الدخول و الخروج و لفظ الحيث و الجهة و بالجملة فليعلم أن جهات الأجسام من أحكام النهايات في الأجسام حتى لو قدر مقدر جسما غير متناه بالفعل لم يكن للجهات معنى فلا يكون فوق و تحت و يمين و يسار و قدام و خلف، و لذلك تتحقق إليها الإشارة و لذواتها اختصاص و انفراد من جهة أخرى، و إذا كانت الأجسام كرويّة أي مدورة فيكون تجدد الجهات على سبيل المحيط و المحاط و الفوق و السفل فيها على سبيل المركز و المحيط، فإن قدر العالم كري الشكل إما تقديرا أوجد عليه حقيقة،
[١] انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٨٠)، و مقالات الإسلاميين للأشعري (ص ٣٠٧)، و الملل و النحل للمصنف (١/ ١١٢)، و منهاج السنة لابن تيمية (٢/ ٣٦٣، ٤٣٦، ٤٣٧)، و مرهم العلل المضلة لليافعي (ص ٣١).