نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٠
و مكان حسنا و ربما يكون قبيحا لكنا وضعنا الكلام في حكم التكليف بحيث يجب الحسن فيه وجوبا يثاب عليه قطعا، و لا يتطرق إليه لوم أصلا، و مثل هذا لا يمتنع إدراكه عقلا هذه هي طريقة أهل الحق على أحسن ما تقرر، و أوضح ما تحرر.
و قالت الطوائف المخالفات: نحن نعارض الأمرين اللذين عرضا على العقل الصريح بأمرين آخرين نعرضهما عليه فنقول: العاقل إذا سنحت له حاجة و أمكن قضاؤها بالصدق كما أمكن قضاؤها بالكذب بحيث تساويا في حصول الغرض منهما كل التساوي كان اختياره الصدق أولى من اختياره الكذب فلو لا أن الكذب عنده على صفة يجب الاحتراز عنه و إلا لما رجح الصدق عليه.
قالوا: و هذا الفرض في حق من لم تبلغه الدعوة أو في حق من أنكر الشرائع حتى لا يلزم كون الترجيح بالتكليف و عن هذا صادفنا العقلاء يستحسنون إنقاذ الغرقى و تخليص الهلكى و يستقبحون الظلم و العدوان.
و أوضح من هذا كله أنا نفرض الكلام في عاقلين قبل ورود الشرع يتنازعان في مسألة تنازع النفي و الإثبات، فلا شك أنهما يقسمان الصدق و الكذب ثم ينكر أحدهما على صاحبه قوله إنكار استقباح و يقرر كلامه تقرير استحسان حتى يفضي الأمر بينهما من الإنكار قولا إلى المخاصمة فعلا، و ينسب كل واحد منهما صاحبه إلى الجهل، و يوجب عليه الاحتراز عنه و يدعوه إلى مقالته و يوجب عليه التسليم، فلو كان الحسن و القبيح مرفوضا من كل جهة لارتفع التنازع و امتنع الإقرار و الإنكار.
و قولكم: مثل هذا في العادة جائز جاز و لكنه في حكم التكليف ممتنع.
قلنا: ليس ذلك مجرد العادة بل هو العقل الصريح القاضي على كل مختلفين في مسألة بالنفي و الإثبات و ما حسن في العقل حسن في الحكمة الإلهية، و ما حسن في الحكمة وجب وجوب الحكمة لا وجوب التكليف فلا يجب على اللّه تعالى شيء تكليفا و لكن يجب له من حيث الحكمة تقريرا أو تدبيرا.
قالوا: لو رفعنا الحسن و القبح من الأفعال الإنسانية و رددناهما إلى الأقوال الشرعية بطلت المعاني العقلية التي نستنبطها من الأصول الشرعية حتى لا يمكن أن يقاس فعل على فعل و قول على قول و لا يمكن أن يقال لم و لأنه إذ لا تعليل للذوات و لا صفات للأفعال التي هي عليها حتى يربط بها حكم مختلف فيه، و يقاس عليها أمر متنازع فيه، و ذلك رفع الشرائع بالكلية من حيث إثباتها ورد الأحكام الدينية من حيث قبولها.
و زادت الفلاسفة على المعتزلة حجة و تقريرا قالوا: قد اشتمل الوجود على خير مطلق و شر مطلق و خير و شر ممتزجين فالخير المطلق مطلوب العقل لذاته و الشر