نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٨
شخصا جسمانيا فيجب أن يكون على صورة بشر حتى يكلمه بكلام البشر و إن كان جوهرا روحانيا فكيف يتصور أن يتشخص و يظهر بشخص جسماني أ ليس نفس الدعوى إذا لم تكن معقولة في نفسها لم يجز مطالبته بالبرهان عليها فلا نزول الملك معقول و لا نزول القرآن الذي هو كلامه معقول بل هما مستحيلان عند العقلاء بأسرهم و أيضا فإنه ادعى بعد ذلك صعوده إلى السماء و الجسماني الكثيف يستحيل أن يصعد و الأجرام العلوية لا تقبل الخرق و إذا اشتمل كلامه على ما يستحيل في العقل حكم ببطلان أصل دعواه إلى غير ذلك مما ادعى أنه شاهد العوالم و أخبر عن حشر الأجسام و الأحياء في القبور و الميزان و الصراط و الحوض بعد ذلك فإن هذه غير معقولة بل قبولها على الوجه الذي يدعيه مستحيل.
قال أهل الحق: النبوة ليست صفة راجعة إلى نفس النبي و لا درجة يبلغ إليها أحد بعلمه و لا كسبه و لا استعداد نفسه يستحق به اتصالا بالروحانيات بل رحمة من اللّه تعالى و نعمة يمن بها على من يشاء من عباده، و كما قال نوح عليه السلام قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠]، إلى غيره من الأنبياء و سيد البشر صلى اللّه عليه و سلم قال كما قال الأول قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٣]، قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨]، لعمري لا تعدم نفس النبي و مزاجه كمالية في الفطرة و حسنا في الأخلاق و صدقا و أمانة في الأقوال و الأفعال قبل بعثه لأنه بها استحق النبوة أو وصل بسببها إلى الاتصال بالملائكة و قبول الوحي كما قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩]، و كما قال القوم: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:
٣١]، قال سبحانه: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢]، فشخص النبي صلى اللّه عليه و سلم شخص الرحمة و رحمة مشخصة و رسالته إلى الخلق رحمة و نعمة كما قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]، يَعْرِفُونَ