نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٧
أفعال عباده فيكون له الخلق في الأول و الأمر في الثاني و يرجع الكل إليه لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [الروم: ٤]، وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣].
قالت المعتزلة: إثبات صفات نفسية لذات واحدة غير مستحيل لكن إثبات خواص مختلفة و صفات متضادة لشيء واحد هو المستحيل و من المعلوم أن الأمر و النهي يتضادان و لهما خاصيتان مختلفتان فإثبات ذلك لكلام واحد محال و نحن لا ننكر اختلاف الأسامي لشيء واحد لاختلاف الوجوه و الاعتبارات لكنا ننكر اختلاف الخواص المتباينة لشيء واحد و لا نشك أن كون الكلام أمرا و نهيا ليس من جملة النسب و الإضافات فإن الصفات الإضافية تتحقق عند الإضافة و لا يتحقق عند رفع الإضافة و يتطرق إليها التبدل و التغير و ليس كون الكلام أمرا و نهيا مما يتحقق عند الإضافة بل هما من أخص أوصاف الكلام سواء لاحظنا جانب المتعلق أو لم نلاحظ و كذلك لو رفعنا المتعلق عن الوهم لم يخرج الكلام عن كونه أمرا و نهيا و خبرا و استخبارا و العلم بالقديم و الحادث علم بالشيء على ما هو به و هو صفة صالحة لدرك ما يعرض عليه سواء كان قديما أو حادثا وجودا أو عدما و الذي يوازيه في تعلقه تعلق الأمر بمأمور معين و تعلقه بمأمور آخر فاختلاف المأمورين كاختلاف المعلومين ثم اختلاف المعلومين لا يستدعي اختلاف العلمين كذلك اختلاف المأمورين لا يستدعي و لا يستدعي اختلاف الأمرين لكن كلاما هو في نفسه أمر و هو في نفسه نهي اختلاف وصفين متضادين لشيء واحد و هو محال و نظيره العرض في شموله أقسام الأعراض المختلفة الخواص إذ يستحيل أن يكون للعرض ذات محققة على حيالها و هي في ذواتها علم و قدرة و حياة و لون و كون و قولكم: إن الكلام مختلف الأوصاف لا مختلف الأقسام غير صحيح، بل الأمر و النهي و الخبر و الاستخبار أقسام الكلام و الكلام منقسم إلى ذلك إذ كل قسم ممتاز بخاصيته و حقيقته عن القسم الآخر و اسم الكلام كالجنس لها لا كالموصوف بها و من أمحل ما ذكرتموه قولكم ما هو أقسام في الشاهد فهو أوصاف في الغائب و الحقائق كيف تتبدل و المعقولات كيف تتفاوت و هل ذلك إلا رفع الحقائق و حسم الطرائق.
و أما إلزام الحال فالجواب عنه أن المصحح للمختلفات المتضادات لشيء واحد غير و ثبوت المختلفات المتضادات لشيء واحد غير فإن الحياة مصححة للعلم و الجهل و القدرة و العجز و الإرادة و الكراهة إلى غير ذلك من المعاني التي يشترط في ثبوتها الحياة و لا يلزم ذلك ثبوت المختلفات المتضادات لحي واحد و نحن إذا أثبتنا حالا فهي مصححة أو في حكم المصحح و لم نثبت مختلفات متضادة لشيء واحد فهذا هو الفرق.