نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٤٩
السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً [آل عمران: ٨٣].
قالت الفلاسفة: النظام في الوجود أو في العالم متوجه إلى الخير لأنه صادر عن أصل الخير و الخير ما يتشوق كل شيء إليه و يتميز به وجود كل شيء و الأول لما علم نظام الخير على الوجه إلا بلغ في الإمكان فاض منه ما عقله نظاما و خيرا على الوجه إلا بلغ فيضا تاما على أتم تأدية و ذلك هو العناية الأزلية و الإرادة السرمدية فكان الحيز داخلا في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا بالعرض ثم الشر على وجوه فيقال شر لمثل النقص الذي هو الجهل و العجز و التشويه في الخلقة و يقال شر لمثل الوجع و الألم و المرض و يقال: شر لمثل الظلم و الزنا و السرقة و بالجملة الشر بالذات هو العدم و لا كل عدم بل عدم منقص طباع الشيء من الكمالات الثابتة النوعية و الطبيعية و الشر المطلق لا وجود له و كذلك الشر بالذات ليس بأمر حاصل إلا أن يخبر عن لفظة، و لو كان له حصول لكان شرا مطلقا عاما ذاتيا موجودا، و إذا تحقق له وجود فقد حصلت فيه خيرية من جهة وجوده إذ الوجود من حيث هو وجود خير فتحقق أن الشر المطلق لا وجود له إلا في اللفظ و الذهن و الوجود على كماله الأقصى أن يكون بالفعل و ليس فيه أمر ما بالقوة أصلا فلا يلحقه شرا و أما الشر بالعرض فله وجود ما و إنما يلحق ما في طباعه أمر ما بالقوة و ذلك لأجل المادة فيلحقها الأمر يعرض لها في نفسها و أول وجودها هيئة من الهيئات المانعة لاستعدادها الخاص للكمال الذي توجهت إليه فجعلها أردأ مزاجا و أعصى جوهرا لقبول التخطيط و التشكيل و التقويم فتشوهت الخلقة و انتقصت البنية لا لأن الفاعل قد حرم بل لأن المنفعل لم يقبل فربما يؤدي ذلك إلى أن يصدر من تلك البنية أخلاق ردية و ربما تستولي نفس حيوانية على نفس إنسانية، فيصدر عن الشخص أفعال قبيحة، و اعتقادات فاسدة، و أما الأمر الطارئ على الشخص من خارج فأحد شيئين أما ما يقع للمكمل و أما ما يصادم حق الكمال و مثال ذلك في النوع الإنساني العادات القبيحة التي يتربى عليها الصبي من أول نشوئه و الاعتقادات الفاسدة التي يتعلم الصبي من المعلمين و الأبوين و إلا فأصل الفطرة كان على استعداد صالح لو لا المانع و عليه دلت الإشارات النبوية كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه فالشر إذا داخل في القضاء الإلهي بالعرض لا بالذات إذا وقع فبالحري أن يجازى مجازاة الهلاك و الفساد على وجود العلة العارضة فالباري تعالى مريد للخير إرادة بالذات إذ هو مصدر للخيرات و مريد للشر إرادة بالعرض و ليس مصدر الشرور و انقسمت الأمور إذا توهمت موجودة إلى خير مطلق