نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٢
بعد أن يحدث لا حال أن يحدث.
و من الإلزامات: أن قوله كن لا يخلو إما أن يسبق أحد الحرفين على الثاني أو يتلازمان في الوجود، أما في حال الوجود أو حال البقاء، فإن سبق أحدهما و تلاه الثاني فإما أن يبقى الأول أو لم يبق، فإن بقي مقولا مسموعا لم يكن كن بل الأول ما لم ينعدم لا يوجد الثاني حتى يكون مترتبا متعاقبا و إلا، فالكاف المسموع مع النون دواما لا يتصور أصلا و إن لم يبق فقد انعدم و عندكم ما حل في ذاته تعالى لا يجوز عليه العدم، و إن كانا يتلازمان في الوجود فقد أوجد أحدهما مع الثاني فليس الكاف بالتقديم أولى من النون و كذلك كل حرف يجب أن يسبق حرفا في القول و التكلم حتى يكون بترتبه و تعاقبه كلاما مسموعا [١].
و من الإلزامات: إثبات أكوان حادثة مع الكون القديم و إثبات علوم حادثة مع العلم القديم كإثبات إرادة حادثة مع المشيئة القديمة و قد ذكر المتكلمون ذلك في كتبهم.
أما شبهة الكرامية أن قالوا سمع الباري سبحانه ما لم يسمع قبله و رأى ما لم ير قبله فيجب أن يحدث له تسمع و تبصر.
فقيل لهم أ تقولون لم يكن الباري سبحانه سامعا للأصوات فصار سامعا لها و لا رائيا للمدركات فصار رائيا لها و لم يكن قائلا للأوامر و النواهي فصار قائلا و لم يرد وجود العالم في الوقت الذي سبق وجوده فصار مريدا في الوقت الذي أوجده فيدل كل ذلك على تجدد وصف له و إن لم تقولوا إنه صار سميعا بصيرا مريدا فقد تناقض قولكم إنه سمع ما لم يسمع و رأى ما لم ير و أراد ما لم يرد.
ثم الجواب الحقيقي قلنا قد جمعتم بين كلمتي نفي و إثبات في قولكم لم يكن كذا فصار كذا فلا النفي على أصلنا مسلم و لا الإثبات على أصلكم مذهب لكم فأما النفي على أصلنا فغير مسلم أنه لم يكن سميعا بصيرا بل هو بصير سميع أبدا و أزلا كما هو عليم قدير أبدا و أزلا و إنما التجدد يرجع إلى المدرك كما يرجع التجدد إلى المعلوم و المقدور فهو كقولكم لم يكن مستويا على العرش فصار مستويا و لم يكن بجهة فوق فصار بجهة فوق و بالاتفاق لم تحدث له صفة لم تكن بل النفي إنما يرجع إلى المدركات فنقول لم تكن المسموعات و المرئيات موجودة فيسمع و يرى فوجدت فتعلق بها السمع و البصر فكان التعلق مشروطا بالوجود لا بالمتعلق و رب تعلق شرط فيه الوجود و الحياة و العقل و البلوغ ثم عدم الشرط لم يقتض عدم المتعلق.
[١] انظر: الملل و النحل للمصنف (١/ ١١٠).