نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨٢
كذا أو يستحيل أو يجب إلى غير ذلك من الأفكار حتى أن كل صانع يحدث مع نفسه أولا بالغرض الذي توجهت إليه صنعته ثم تنطق نفسه في حال الفعل محادثة مع الآلات و الأدوات و المواد و العناصر و من أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة و باهت العقل و أنكر الأوائل التي في ذهن الإنسان و سبيله سبيل السوفسطائية كيف و إنكاره ذلك مما لم يدر في قلبه و لا جال في ذهنه ثم لم يعبر عنه بالإنكار و لا أشار إليه بالإقرار فوجد أن المعنى معلوم بالضرورة، و إنما الشك في أنه هو العلم بنفسه أو الإرادة و التقدير و التفكير و التصوير و التدبير و التمييز بينه و بين العلم هين إذ العلم تبين محض تابع للمعلوم على ما هو به و ليس فيه إخبار و لا اقتضاء و طلب و لا استفهام و لا دعاء و لا نداء و هي أقسام معلومة و قضايا معقولة وراء التبيين و التمييز بينه و بين الإرادة أسهل و أهون فإن الإرادة قصد إلى تخصيص و أما التقدير و التفكير و التدبير فكل ذلك عبارات عن حديث النفس، و هو الذي يعني به من النطق النفساني و من العجب أن الإنسان يجوز أن يخلو ذهنه عن كل معنى و لا يجد نفسه قط خاليا عن حديث النفس حتى في النوم فإنه في الحقيقة يرى في منامه أشياء و تحدث نفسه بالأشياء و لربما يطاوعه لسانه و هو في منامه حتى يتكلم و ينطق متابعة لنفسه فيما يحدث و ينطق.
و من مذاهب المعتزلة: أن المفكر قبل ورود السمع يجد من نفسه خاطرين أحدهما يدعوه إلى معرفة الصانع و شكر المنعم و سلوك سبيل المحاسن و الخيرات و الثاني يدعوه إلى خلاف ذلك ثم يختار ما فيه النجاة و يجتنب عما فيه الهلاك و ذلك الخاطران الداعيان المحدثان المخبران عن كلام النفس و حديثها فكيف يسوغ لهم إنكار ذلك و أيضا فإن الإنسان في مراتب نظره و استدلاله يضع قولا و يرفع قولا و يقسم كليا و يبطل أحد القسمين فيتعين له الثاني فتقسيمه هو بعينه حديث النفس و تعيينه أحد القسمين هو بعينه حكم العقل و ربما أخذ القلم و كتب مجلدة من حديث فكره و شحن ديوانا من حديث نفسه و لسانه ساكت لا ينطق.
و صدق من قال:
إن الكلام لفي الفؤاد و إنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا [١]