نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٦
و من كان أفصح و أبلغ كانت معرفته أشد و أوضح كما أن من كان أسحر في زمن موسى كان علمه و معرفته بإعجاز العصا أوفر و من كان أحذق في الطب في زمن عيسى كانت معرفته بإعجاز إحياء الموتى و إبراء الأبرص و الأكمه أكثر و من كان أعلم في علم الطبيعة في زمن الخليل كان نفسه بإعجاز السلامة عن النار أشد و أصدق و الاختلاف في وجوه الإعجاز لا يوهن وجه الإعجاز و لهذا لو اجتمع عند العالم بوجوه الإعجاز العلم بوجوه الحكم و المعاني الشريفة فيه كانت معرفته أكثر و لو ضم إلى ذلك العلم بوجوه تمهيد السياسات العامة و العبادات الخاصة و الأمر بمكارم الأخلاق و النهي عن ذميمات الأفعال و الحث على معالي الشيم و الهمم كانت معرفته بالإعجاز في غاية الانتظام و نهاية الإبرام و من ذا الذي يصل بفكره الضعيف و عقله المميز بمحاديات الوهم و الخيال إلى الحكم المحققة في تركيب الحروف و ترتيب الكلمات التي هي كالمواد و الصور و مطابقتهما لعالم الخلق حتى ينطبق عالم الأمر على عالم الخلق و ذلك العلم الأخص بالأنبياء عليهم السلام و هنالك تضل الأفهام و تكل الأوهام و تعود العقول البشرية عند الأسرار الإلهية هباء و تستحيل الحواس الإنسانية عند خواص الحكم الربانية عفاء وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧]، و لقد قصر من قصد إعجاز القرآن في سورة طويلة و حصره في آيات مخصوصة انظر إلى أول آية نزلت كيف اشتملت على وجوه من البلاغة و الحكم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق: ١، ٢]، فمن أراد أن يعبر عن تقدير الخالقية عموما لجميع الخلق في العالم ثم خصوصا للإنسان المطابق خلقته بخلقة العالم بأسره كيف يعبر عنه بلفظ أفصح منه بيانا و أوجز لفظا و أشرف نظما و أبلغ عبارة و معنى ثم انظر كيف خصص اسم الربوبية في حال تربيبه و كيف عمم الخلق أولا ثم خصص و كيف ابتدأ خلق الإنسان من العلق حيث كانت مرتبته في حال قبول صورة الوحي مرتبة العلق من قبول صورة الإنسان إلى أن انتهى إلى البلاغ السابع من قبول جميع القرآن الرَّحْمنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢ خَلَقَ الْإِنْسانَ [الرحمن: ١- ٣]، كما ينتهي إلى المرتبة السابعة حتى يقبل علم البيان عَلَّمَهُ الْبَيانَ [الرحمن: ٤]، و كيف قرن اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ ٣ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ٤ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ