نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٨١
قال النافون: الكلام على المذهب ردا و قبولا إنما يصح بعد كون المذهب معقولا و نحن نعلم بالبديهة أن لا واسطة بين النفي و الإثبات و لا بين العدم و الوجود و أنتم اعتقدتم الحال لا موجودة و لا معدومة و هو متناقض بالبديهة ثم فرقتم بين الوجود و الثبوت فأطلقتم لفظ الثبوت على الحال و منعتم إطلاق لفظ الوجود فنفس المذهب إذا لم يكن معقولا فكيف يسوغ سماع الكلام و الدليل عليه.
و من العجائب أن ابن الجبائي قال لا توصف بكونها معلومة أو مجهولة و غاية الاستدلال إثبات العلم بوجود الشيء فإذا لم يتصور له وجود و لا تعلق العلم به بطل الاستدلال عليه و تناقض الكلام فيه.
ثم قالوا: ما المعني بقولكم الافتراق و الاشتراك قضية عقلية إن عنيتم به أن الشيء الواحد يعلم من وجه و يجهل من وجه، فالوجوه العقلية اعتبارات ذهنية و تقديرية و لا يقتضي ذلك صفات ثابتة لذوات و ذلك كالنسب و الإضافات مثل القرب و البعد في الجوهرين فإن عنيتم بذلك أن الشيء الواحد تتحقق له صفة يشارك فيها غيره و صفة يمايز بها غيره فهو نفس المتنازع فيه، فإن الشيء الواحد المعين لا شركة فيه بوجه و الشيء المشترك العام لا وجود له البتة.
و قولهم: إن نفي الحال يؤدي إلى حسم باب الحد و الحقيقة و النظر و الاستدلال بالعكس أولى فإن إثبات الحال التي لا توصف بالوجود و العدم و توصف بالثبوت دون الوجود حسم باب الحد و الاستدلال فإن غاية الناظر أن يأتي في نظره بتقسيم دائر بين النفي و الإثبات فينفي أحدهما حتى يتعين الثاني و مثبت الحال قد أتى بواسطة بين الوجود و العدم فلم يفد التقسيم و الإبطال علما و لا يتضمن النظر حصول معرفة أصلا ثم الحد و الحقيقة على أصل نفاة الأحوال عبارتان عن معبر واحد فحد الشيء حقيقته و حقيقته ما اختص في ذاته عن سائر الأشياء و لكل شيء خاصية بها يتميز عن غيره و خاصيته تلزم ذاته و لا تفارقه و لا يشترك فيها بوجه و إلا بطل الاختصاص و أما العموم و الخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه راجع إلى الأقوال الموضوعة لها ليربط شكلا بشكل و نظيرا بنظير و الذات لا تشتمل على عموم و خصوص البتة بل وجود الشيء و أخص وصفه واحد.
قال المثبتون نحن لم نثبت واسطة بين النفي و الإثبات، فإن الحال ثابتة عندنا و لو لا ذلك لما تكلمنا فيها بالنفي و الإثبات و لم نقل على الإطلاق إنه شيء ثابت على حياله موجود فإن الموجود المحدث إما جوهر و إما عرض و هو ليس أحدهما بل هو صفة معقولة لهما فإن الجوهر قد يعلم بجوهريته و لا يعلم بحيزه و كونه قابلا للعرض